نديم الشباب

Companion of Youth

Augustine Al-BenokaPublished: 20061,000 copies15,773 words

Publisher: Ade Shir Publishing House

Compiled and presented by Randy Riadth Augustin Al-Benoka

نديم الشباب

نديم الشباب

دار أدي شير للنشر والاعلام

صاحب الامتياز: فهمي متي سولاقا

العنوان: اربيل- عنكاوا

ت: 2251133

أوغسطين آل بينوكا

نديم الشباب

2006

اسم المؤلف: أوغسطين ال بينوكا

اسم الكتاب: نديم الشباب

التنضيد: (ز. ي)

التصميم والاخراج الفني: كوثر نجيب

تصميم الغلاف: كَوران عبدالجبار

الناشر: دار ادي شير

الطبعة الاولى: 2006

عدد النسخ: 1000

طباعة: مطبعة الحاج هاشم/ اربيل

رقم الايداع في مكتبة المديرية العامة للثقافة والفنون/ اربيل (230)، لسنة 2006.

حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر

الإهداء

أهدي كتابي المتواضع (نديم الشباب) الى من يتذوق عبق لغة الضاد ومن يتخذ من القصص والحوادث دروساً وعبرا للمستقبل متوكلا على الله في جميع الاحوال، ومحبتي وتحياتي الحارة لاعزائي الادباء والقراء وما توفيقي الا بالله.

أوغسطين

المقدمة

عزيزي القارئ الكريم

نحن بحاجة إلى التراث والى الأصالة والى جذور عميقة في تربة خصبة، لقد تعمّق أدباؤنا في دراسة اللغة العربية، تغنّى شعراؤنا بقوافيها، فمفرداتها كنوز لا تنضب وأمواج بحورها لا تهدأ وسهولها فسيحة مليئة بالخضرة والثمرة وسفوح جبالها مزينة بالرياحين والورود وقممها مكسوة بالثلوج ووديانها بالزمرد والياقوت، ولهذه اللغة خصائص تختلف عن اللغات الاخرى، انها كالبركان تقذف حمما تلهب صدورا وتكسو الطبيعة حلّة قشيبة لها مذاق العسل في طعمها، وكل مقال يحرره اديب او قصيدة يلقيها شاعر تستجيب لرنين الابتسامة وتثير القلب عنفوانا جديدا، فهنيئا للذين يتذوقون طعمها ويتناولون ثمارها ويتعطرون باريجها، فمهما بلغ الاديب من البلاغة اللغوية وقوة التعبير ومهما انساب اليراع بيده واسترسل بسبك العبارات الشفافة والجمل الرنانة، ومهما فاضت من صدره الواسع وعقله النير مقالات علمية وقوافي شعرية يبقى بحاجة إلى من سبقه في مضمار الأدب، لأنّ الأصالة هي القاعدة الاساسية التي يرتكز عليها الأدب العربي المعاصر، ولكي يزداد هذا الكتاب المتواضع رونقا وبهاءً ويرتشف القارئ الكريم من رحيق لغة الضاد ويتذكر الذي سبق، وان كانت لهم الايادي البيضاء في ميدان الأدب، ارتأينا تعطيره وبتصرف بعدة مواضيع من مؤلفات الأديبين الكبيرين مصطفى لطفي المنفلوطي وجبران خليل جبران فإلى روحيهما إجلالي وتحياتي وما توفيقي إلا بالله.

اوغسطين آل بينوكا

أمثال وحكم

أكرِم الربّ من مالك

فتمتلئ مخازنك قمحا

من يتّكل على غناه يسقط

الصديقون يزهون كالأغصان

الكلام الجميل شهد عسل

يحلو للنفس ويشفي العظام

من زرع الجور حصد الإثم

مع الأشرار لا تتداخل

ولا تسلك طريق الرعاع

من كلّ تكّبر احفظ قلبك

لأنّ القلب المتواضع ينبوع الحياة

المحبة كلمة من نور تنبع من القلب

الشمعة تُضيء ولكنها تذوب

البذرة تثمر ولكنها تموت

في ليلة العيد

حبيبتي

دستور الحب كان منذ البدء

واستمر دون انقطاع

لحظات تنتعش فيها الحياة

ولحظات تصمت فيها الحياة

ولحظات الموت بدل الحياة

حبيبتي

اشعلت الشموع امام صورتك

وقدمت الوان العطور والبخور

فذابت الشموع وطارت الطيور

ولم يبق في بلدتي إلا

خيوط المطر تسقي النفوس

وثلجٌ يتساقط فوق الناقوس

حبيبتي

أريد لقاءكِ من جديد

ولو بتحيةٍ من بعيد

نتذكر الطفولة من جديد

وتنتعش آمالنا من جديد

وتستريح قلوبنا من جديد

ونحن نحتفل بإجازة العيد

حبيبتي

يا قرّة عيني و مهجتي

أنتِ مرفأ سفينتي

أعلّق عليك أمنياتي

وحرارة دموعي وصلواتي

أنقل صوتك ورسائلك

وأمنحك تذكرة السلامة

وأمنح غرامي لكل يمامة

لأرى في ثغرك الابتسامة

وأنوي على شفتيك الاقامة

فعطرك يمّر بقلبي كالغمامة

ونار حُبّك تتأجج بصدري

فتقتحم فؤادي اقتحاما

حبيبتي

حبيبتي قمر الزمان

خيالك في كل مكان

وضياؤك نور الفرقدين

وجمالك يتلألأ بعنفوان

جئت اليك التمس الغفران

لا ثورتي وليدة الاحزان

ارحميني اكراما للانسان

لن اتخلّى عنك

وإن قُطِع الشريان

حبيبتي

رسالة الحب الموجهة اليك

سهامها نابعة من عينيك

صوت عناقنا بأذنيك

ضميني الى صدرك بيديك

لأكون سوارا بمعصميك

حبيبتي

لقد ملكت قلبي

واستوليت على جوانحي

فالقيت سلامي في الحارة

فاعذريني من قسوة العبارة

لم أكن اقصد الاثارة

فلن يتركنا الحب سكارى

ولن يتركنا القلب حيارى

حبيبتي

ما احلى الذكريات من بعيد

لا رسالة من موزع البريد

فكيف أحتفل باجازة العيد

وأنت بعيدة والمشوار بعيد

وبعيد وبعيد وبعيد...!!!

مفاجأة الحب

يفاجئني الحب حين انام

ليسمعني هديل الحمام

ويتركني هائما ولهان

غارقا في بحر الأحلام

والدهر تركني عشرين عام

جالسا على أرصفة الغرام

دموعي تجري ويتلعثم الكلام

ولم يبق في الصدر غير العظام

حبيبتي

رسمك دخل قلبي

كالنقش على الرخام

نظمت لك قصيدة

فحواها برد وسلام

بدأتها بتحية واحترام

وذكرت فيها سالف الايام

وظلّ عطرك يجوب قلبي

كما يجوب اليمام

وعيوني ترمق جيدك

كأنها طيور الحمام

وأخيراً استسلمت للهوى

واعطيتُه مفاتيح الأمان

حبيبتي

رأيت طيفك في المنام

مبتسماً وعلى ما يرام

وضياء وجهك بدر تمام

وعيونك يغرز السهام

والقد رشيق وبانسجام

نظرة منك تسعدني

وقبلة من ثغرك البسّام

أرجوك اذهبي

واتركيني لأنام

ماذا ينفع العتاب

أنا لا أبحث عن نثر أو شعر أو قصيدة غزل

ولكني ابحث عن قصيدتك انت!

وعتابي على جسدي

لانه لم يستطع أن يلبس وشاحك الأرجواني

وعتابي على مسامات جلدي لأنها

لم تستطع امتصاص رحيق قلبك بشكل افضل

وعتابي على خيالي

لانه لم يتخيل كيف يمكن لهذا الجمال أن يظهر فجأة

من نهدين لم يحتفلا بعيد ميلادهما السادس عشر

وعتابي على قلبي لانه لم يشعر بلهيب نار الحب

المضطرم بقلبك

وعتابي على عيوني لأنها لم تتمكن من مشاهدة

رشاقتك وابتسمات وجنتيك

ولكن ماذا ينفع العتاب!

بعد أن أصبحت علاقتنا شاحبة وسقطت على ارض قاحلة

لا ماء يرويها ولا عشب يكسوها

حبيبتي لقد كان جسدك مليئا باحتمالات

(غبار، ريح، مطر، ثلج، عصف)

وكان ميزان الزلازل يهتّز ويتنبأ تحت عيونك

ولكني لم اكن ذكيا بما فيه الكفاية لأقرأ أفكارك واسمع

إيقاع صوتك!

فجلست متحسرا أندب حظي العاثر – نادما- ولكن

لاتَ ساعةَ مندمٍ!

بين حبيب وحبيبة

حبيبتي لماذا تقولين لصديقاتك أني حبيبك وتبوحين بأسرارك وتقّصين قصصا مَرت بظنك؟ لماذا تبنين قصورك فوق الرمال وتستمتعين بنسج روايات فاقت حدود الخيال؟ افهل تفعلين هذا من باب التمني ام لغاية تريدين لها ان ترى النور؟ لماذا تخشين من اللعب في وريقات الحب وتحترفين الإشاعة؟ لماذا تقولين لصديقاتك ان خدوش الأظافر فوق ذراعيك مني وان النزيف بزاوية ثغرك مني ومن شدّة الوصال بين شفتينا، وان شظايا الزجاج المكسّر بين نهديك مني، في حين لا أتذكر ولم يخطر ببالي اني فعلت شيئاً مما ذُكر؟ فإذا كان ما تقولينه حلم أرجو ان يتحقق هذا الحلم والخيال الذي وصفته لصديقاتك وان تكوني واقعية في حبك لي لتتحقق امنياتنا واني مسّتعد لتقبل كل ما تطلبين وتفكرين به وما يجول في خاطرك وخيالك لتكوني كالوردة البيضاء بين الورود وكالزنبقة الحمراء بين المروج، ومطلبي الوحيد ان تقنعي امك لتكون شفيعتي عند والدك، عسى ان يقبل بخطوبتنا وان يتم عقد قراننا قبل فصل الربيع لننعم بموسم الخير والعطاء مع الورود والرياحين ونمتع نظرنا بما خلقه الله في الطبيعة الخلابة ونتنسم الهواء العليل الذي يهب بين الروابي والآكام وننصت الى هدير المياه الجارية في الوديان المنحدرة من أعالي الجبال المحيطة بقريتنا وتتحقق امانينا التي اختلجت بقلبينا منذ الصغر. ان قلبي قد مال اليك منذ كنت في عنفوان طفولتك البريئة، فاسرعي إلى امّكِ لتقف على الحقيقة وتساعدنا في بناء عشنا الذهبي ولنضع حجر الأساس لسعادتنا وننعم بما أمر به الله عز وجل فنعيش عيشة سعيدة ترضي الله وترضي الناس.

خاطرة

أدهشني تصرف الدهر! يا ليتني ابنة فلاّح فقير! نفسي مثقلة بأفكار ولا تستوعب ما يقال في الخفاء عنها فهل من حبيب يتقرّب منّي ليخفف عني ما يدور ويختلج بصدري ويزيل عني الهم!

ليس بين الناس شخص يرأف بحالي ويشاركني عزائي، لقد أدهشني تصرف الدهر معي، فهل هناك من يسقيني خمرة معتقة ليشرح صدري لأيام معدودة؟ إنّي أتوسل بالمارة أناديهم من كل قلبي ليأخذوا من دراهمي وجواهري ولكن لا مجيب لدعائي ولا اذن صاغية لصوتي، والناس تمر بي ولا تأبه بما أقول نظرة الى المجتمع الذي تبدلت قيمه فان ابنة الرجل الفقير راعية الخراف على سفح جبل تجوب شوارع القرية وقد ارتدت ثوبا باليا واحتذت حذاءً من الجلد والتراب وصل الى كعبيها، تراها وقد التف حولها الشباب، كل واحد يرغب في اختلاس نظرة شبيعة بنظرة عاشق لعشيقته وهي بدورها تختلس الخطوات الى حيث يترقبها حبيبها، بينما ابنة الوجهاء وما عليها من حلل وثياب مزركشة وما حباها الله من رزانة ورصانة وجمال تبحث عن حبيب ولكن ليس هناك من يحبها ولا من يمد يده ليصافحها، تسير في سكون الليل باحثة عن حبيب، ولكن للاسف ليس في مملكة ابيها من يرغب خطوبتها، انها تشبه المتصوفة التي تتعبد ليل نهار في صومعتها راكعة في كوخها الصغير تحرق قلبها برائحة البخور فينتشر هذا البخور في الهواء فيغطي بيوت حارتها، وهي تذوب كالشمعة فيحمل الاثر عطر وجهها ليعبق في ازقة قريتها، اما هي فتحت امر الواقع تركع وتصلي فتحمل الملائكة صلواتها الى الخزائن الابدية وتعود الى نفسها وتقول في سريرتها ليتني كنت ابنة فلاح فقير اخالط الناس على طريقتهم البسيطة ولا ابنة أمير لا تجد من يمد بيده ليصافحها وجلا منها وخوفا من أبيها. يا أحبتي إنّ نفسي مثقلة بأثمارها فهل من جائع يأكل حتي يشبع وهل من عطشان يرتوي من ماء عيوني وهل من شخص عار يريد ان يتوشح بردائي الطاهر؟

ياليتني كنت شجرة لا تزهر ولا تثمر ويا ليتني كنت بئرا قد جف ماؤه والناس ترمي به الحجارة فذلك أهون لي من أن أكون ينبوع ماء والظامئون يجتازوني ولا يستقون ولا يأبهون بما يرون!

انا لست اغنية على شفاه العشاق و لاقيثارة فضية الاوتار في منزل شاب مبتور الأصابع وأعيش حياتي بين الذي لا يسمعون صوتي لأنّ أذانهم قد سدت عن سماع الحقيقة، انا شابة اتمتع بعنفوان الشباب ومن حقي الطبيعي ان اتمتع بما حباني به الله سبحانه وتعالى من جمال وكرم الاخلاق وفق قوانين السماء، فلماذا هذا الظلم يا مجتمع؟ فلماذا هذا البؤس والشقاء؟

ولماذا هذه القيود والمراسيم التي سبق وان رفضت في المجتمعات المتحضرة، وهل هناك من نهاية لهذه الأمراض التي تفشت بين طبقات المجتمع، فالزمن كفيل بمعالجتها والأيام المقبلة سوف تقول كفى يا زمن، كفى للمتوحش ان يقطف الثمرة من الشجرة ليأكلها بنهم وشراهة فهي لم تخلق له بل خلقت لعفيف النفس ان يستنشق رائحتها ويعبق قلبه بأريجها ويهنأ بثمارها!.

احببت الحياة بأفراحها واتراحها

الفتاة التي احببتها هي الحياة بحلاوتها ومرارتها فقد تعلّق قلبي بها كما يتعلق العاشق بعشيقته والحبيب بحبيبته والرضيع بأمه، إنها حسناء استهوت فؤادي وطغت على اوصالي وغمرت وجداني بالطيبات والوعود المعسلة وايقظت في قلبي روحا جديدة تواقة للدفء والراحة والطمأنينة. إنها بتول رشيقة القد تستحم بدموع من شغف بجمالها وتتعطر بأريجها. انها شابة رشيقة وسيمة المعالم والخصال ذات وقار وحشمة ترتدي الملابس المزركشة ولكن يخشى منها لأنّ ملابسها مبطنة بقماش اسود يستر جسمها، هذه هي الحياة على الرغم من افراحها واحزانا فتراها تتمايل يمينا وشمالا كما يتمايل عود الخيزران لتفتن قلوب الناس وتغويهم وتسحر البابهم، ولكن قد يكره جمالها احيانا لقساوتها وعنفها وجبروتها وبطشها. قبل مدة غفوت على اريكة قديمة موجودة في زاوية من زوايا غرفتي وتخيلت بان شابـة احبهـا قلبـي جلست واتكأت على الاريكة بجانبي ملقية

رأسها الجميل على وسادة ومسترسلة شعرها على المساند بعد ان تجرعت كأسا من الخمر المعتق الممزوج بقطرة من رحيق البنفسج وبذلك اعادت الى وجدانها الأحلام التي كانت تتغزل بها في عنفوان شبابها قبل ان تذهب الى الصحراء المقفرة التي لا ماء فيها ولا خصب فتموت جوعا وعطشا من حرارة الرمال وقساوتها ولكنها تركت اثار اناملها على الكأس التي احتست منها الخمر، اما عطر انفاسها فتعلق بين طيات اثوابي ورنين صوتها بقي يرن في أذنيَّ وصداه ما برح زوايا منزلي، ولكن يا ترى اين ذهبت الحسناء وبأي تجاه وإلى أيّ وادٍ سحيق نزلت، هل عبرت المرتفعات والروابي وصعدت الجبال الشامخة؟ أم انها ركبت عباب البحار إلى أقاصي الدنيا البعيدة، أم إنها ارتمت في وادي الهجر والنسيان؟!.

ياحبيبتي يا من أحبها قلبي وشغف بنسيمها لماذا تركت آثار بصماتك في منزلي وبقي شبح روحك مرفرفا على الجدران وعلى النوافذ؟ فقد حيرني واضطرني الى فتح نوافذ منزلي لاستقبال أمواج الهواء لتجرف بتيارها كل آثارك، لكن رسمك بقي معلقا بذهني وصورتك امام عيني ورسائل الحب التي بعثت بها ما برحت في العلبة الفضية الموضوعة في خزانتي.

أيتها الغالية التي احبّها قلبي إنك لا تختلفين عن النساء ولكنك مخلوقة عجيبة لك من الفتنة والجمال ما يحير الالباب ويخطف الأبصار ويسلب القلوب، انت وديعة كالحمام وجميلة كالوردة البيضاء تمشين الهوينا متبخترة بين رفيقاتك ولذلك فقد مال قلبي إليك وهمت بحبك منذ الطفولة وعشقت غطرستك ورأيت خيالك في غيوم السماء وسمعت صوتك المتصاعد مع خرير المياه المنحدرة من أعالي الجبال، وقد تعارفنا ونحن شباب فشكوت لك همومي أما في أيام الرجولة فكنا نتجاذب اطراف الحديث واطلعك على اسراري وما فعله الدهر، وابسط امامك ما بداخلي من الأسرارفتسعفيني بأفكارك النيرة وتغمريني بحنوك وتشمليني برقة قلبك وتساعديني وتخففين عني آلامي، وأحيانا اتلقى ضربات موجعة منك فارضخ صاغرا لسلطانك ولكن يا ترى أين ذهبتِ أيتها الحسناء والى اي بلدٍ اتجهت؟ هل ذهبت الى ارض جرداء لا خصب فيها ولا ماء؟ ام انك عبرت البحار والمحيطات وانزويت خلف الأفق، لقد بذلت زهرة شبابي للوقوف على اسرارك ولكن اتعابي ذهبت ادراج الرياح ولم اتمكن من كشف سرك المكنون، فيا ترى اين استقر بك الدهر؟ سأوجه نظري الى السحاب لعله ادركك وانت ذاهبة ومحلقة في الفضاء الى سماء الخلد! ولكن هل من الإنصاف والعدل ان تتركيني حائرا لوحدي اناجي حبيبتي التي احببتها وبذلت زهرة شبابي في سبيلها. وهنا ادركني الوقت فصحوت من غفوتي ولم تمضِ إلاّ هنيهات حتى سمعت صوتها آتٍ من أعماق الابدية تقول: ايها الانسان خلقت لتتمتع بحياة الدنيا وملاذها فقد وهب لك الباري سبحانه وتعالى نعماً وخيرات لا تعد ولا تحصى واغدقها على الجنس البشري فسخر لك السماء وما بها من طيور والبحار وما تحويه من اسماك وحيتان وما بها من كنوز والأرض تنبت الزرع والشجر وانواع الفاكهة والثمر والخضر، فعليك ان تسلك طريقا مستقيما لتفوز بالسعادة الابدية المعدة للمتقين.

الشجرة التي زرعت من جديد

قف أيّها القلب عند حدك، فمهما ارتفع صوتك ليس هناك من مجيب، فالريح المثقلة بالأتربة لن تحمل اغانيك والليل بسواده لا يحفل باسرارك وباحلامك، فظل ساكتا حتى الصباح فمن يترقب بزوغ الفجر صابرا يلاقي صباحا ساطع النور. يا قلبي الذي لا يعرف طعم النوم لقد ازعجتني الاحلام فرأيت بركانا يقذف الحمم وعندليبا فوق فوهته ورأيت وردة حمراء تخرج من بين احجار مبعثرة هنا وهناك والمطر ينهمر فوقها ولكنها رافعة رأسها لترى ما في الدنيا من غرائب، ورأيت حسناء تلتفح ازارا مزركشا وترقص في شارع مزدحم مع فرقة الإنشاد والمارة لا يأبهون بها ولا يعنيهم امرها، ورأيت طفلا ينشد اغنية ليطرب امه التي احتضنته، كل هذه وانا غارق بأحلامي، ولما استقيظت في الصباح رأيت بركاناً يقذف الحمم ولكني لم ار اثرا للورود ولا للطيور ولا للطفل وامه ولا للحسناء!

ثم خرجت من غرفتي صوب الزقاق المؤدي الى سفح الجبل فشاهدت الثلوج تتساقط على المروج الخضراء المطلة على الوادي والبساتين لتكسوها حلة بيضاء كحلل العرائس، اما الزنابق فرأيتها هامدة لا حراك فيها من شدة البرد وقساوة المناخ فرثيت لحالها وتركتها عائدا الى قلبي وهمست بأذنه وقلت له. كنت بالأمس شابا قويا كالشجرة التي تمد جذورها الى اعماق الارض وتتعالى اغصانها في الفضاء وقد ابتسمت نفسي مع تفتح الورود في موسم الربيع وبدأت تثمر في الصيف وامتلأت المعاصر نبيذا في الخريف ولكن لم اجد من يأكل ويلتذ بالثمر ولا من يشرب النبيذ المعتق ليرتوي ثملا! ففكرت طويلا وقلت في نفسي سوف اقتلع عروقي من هذه التربة ومن الماضي السحيق وانزع عنها كل ما يتعلق بها من الذكريات وسوف ازرعها من جديد في تربة اخرى وفي محل بعيد املا مني ان يتذوقها الناس، ولكي لا تصلها يد الزمن الطويلة التي لا ترحم! ومكثت أسهر الليالي بجانبها أراقبها وأغذيها بسماد من مزرعتي الخاصة وأسقيها ماء نقيا ممزوجا بدمي ودموعي لأنَّ في الدم نكهة خاصة وفي الدمع حلاوة، ولما عاد الربيع ازهرت واينعت وفي الصيف اثمرت وفي الخريف جمعت الثمار الناضجة ووضعتها في سلال على الارصفة، فمر الناس والقوا نظرهم على تلك الثمار، وعلى رغم من كل ما حدث من تغير لم يمد احدا منهم يده ليتناول ثمرة واحدة، فأخذني العجب والاستغراب وبدأت اندب حظي ولكن دون جدوى وللحال تناولت ثمرة من احدى السلال وأكلتها بشوق ونهم، أمام المارة فوجدت فيها الحلاوة واللذة فثملت من خمرتها وتعطرت انفاسي من رحيقها وارتويت من عصيرها فقلت في قرارة نفسي: إنّ الناس قد تبدلت فالحق لا وجود له في دستورهم وان ما ارهقته من دم وما ذرفته من دموع ذهب سدى، فقفلت راجعا وجلست تحت الشجرة الجديدة التي زرعتها معاتبا الزمن! فيا ترى ما العمل حتى اكسب رضا الناس ووفق اي منهج يسيرون لأ تبعهم؟ وهل ان النور لا وجود له في مجالسهم؟ وهل ان الظملة ديدنهم؟ يا للعجب متى كانت الظلمة مفتاحا للأبواب المقفلة ومصدرا للضياء؟ ومتى كان النور قفلا يوصد ابواب الدهاليز التي لا ترى اشعة الشمس ولا ضوء القمر.

عدت ثالثة الى قلبي وبدأت أجامله بعبارات شفافة ومنمقة ولكنه لم يقنع وكانت تتبلد امامه الغيوم السوداء ويثور غضبا فقلت له: عليك ان تهدأ حتى الصباح لأني رأيت في الحلم هذه الليلة ان سفينتي تتلاطمها امواج البحر مما اضطرها لترسو في احد الموانئ وكانت السفينة مطرزة بسبعة الوان شبيهة بالوان قوس قزح وعليها رسم حبيبتي الحسناء ولكن لم تمكث الا بضعة دقائق حتى استدارت واخذت تسير نحو الشاطئ المجاور لبلادي ثم اتجهت صوب ارض اجدادي ولكن يا ترى ماذا كان في داخلها واي شيء حملت لأهلي من غربتي هذه في اعماق البحار، وكيف يستقبلوني ويداي خالية من الهدايا!.

فتحيرت من امري ونزلت الى الشاطئ كئيبا مستغربا وما ان وطأن اقدامي ارض بلادي حتى اخذ قلبي يحدثني قائلا: ها قد بزغ الفجر ففي اعماقك اغنية انشدها واستقبل الصباح، هوذا سرب الحمام والعصافير تغرد وتتطاير من غصن الى غصن متنقلة في أطراف الوادي، فهل بإمكانك ان تطير معها؟ هوذا الرعاة يسيرون أمام قطعانهم من الحضائر الى المرابض فهل بأمكانك مرافقتهم؟ قم يا قلبي المليء بالاحزان، سر مع الفجر لأن الليل قد ولّى واضمحلت احلامه، قم واطرد عنك الحزن والاسى، قم وارفع صوتك مترنما ومغردا مع الطيور فمن لا يشارك الصباح بأغانيه والنهار بأفراحه ويعيش سعيدا بحدود يومه ويفكر بسعادة الاخرين بقي من ابناء الظلام، قم وامشِ في أرض ابائك واجدادك، وكُلِ الثمر واشربِ اللبن وتذوق حلاوة التمر والعسل وارفع عينيك الى السماء وقل ربي احفظ بلادي.

مفارقة

يحكى ان نجارا تزوج فتاةً فاضلة احسنت ادارة البيت ووفرت لزوجها المسكين مستلزمات العيش الهادئ والراحة النفسية، وبعد مضي عدة سنوات رزقا بطفل أقرّ أعين والديه، وأخذ الطفل يكبر ويترعرع بأحضان امه التي اعتنت بتربيته وارضعته الحليب الطاهر وسهرت الليالي ليتمتع بالصحة والعافية، وعلى الرغم من الحالة الاقتصادية المتواضعة للعائلة كانت امه تلبي رغباته. وفي احد الأيام تجمع اهل الحارة واتفقوا على قضاء يوم العطلة على سفح جبل مجاور.

وركبوا احدى الحافلات وما ان وصلوا الروابي المطلة على الوادي حتى انقلبت السيارة وادى الحادث الى وفاة والوالدين واصبح الطفل يتيما لا يملك من حطام الدنيا إلا ما يستر به عورته وبيتا صغيرا يأوي اليه، فوقع تحت وطأة البؤس والفقر، وتجاه هذا الموقف اخذ يطرق الابواب طلبا للقمة العيش، ولكن الدهر كان قاسيا معه حيث كان يرده على اعقابه اينما اتجه، ومضت ايام وهو على هذا الحال مما اضطره الى التسول في شوارع المدينة ولكن لم يُعطَ رغيفا واحدا وكان يُنهر بالقول: انك فتى قوي الجسم وأن الاستجداء لا يليق بك والاحسان لا يجوز للكسلان. وفي احد الايان بينما كان جالسا واضعا يديه على خديه وقد اخذه الغم والهم ونغصت الفاقة حياته وبدا اليأس يدب في سكناته وقد اسودت الدنيا في عينيه وسدت السبل في وجهه رفع عينيه الى السماء وتضرع الى الله قائلا: لقد انجبتني امي بإرادتك يا رب وإني كائن بكيانك، لقد طرقت ابواب الاثرياء والموسرين طالبا العمل فكان مصيري الطرد وسعيت في المدينة متسولا فلم أُعطَ رغيفا.

فلماذا يمنع عني الخبز الذي اطلبه باسمك وباسم الرحمة والانسانية؟ والى متى اسلك طريق الذل والهوان؟ وبطرفة عين نهض بقلب غير قلبه و عزيمة غير عزيمته فتغيرت سحنة الشاب اليائس من الحياة وتلبدت الغيوم في أفكاره واصبح كالثور الهائج وكالذئب الشرس وانتصب ولمعت عيناه وتغيرت شفتاه وصرخ قائلا: طلبت الحياة بعز وأمان وشرف فلم اجدها وطلبت عملا بعرق جبيني فلم يسعدني حظي العاثر ولم اجد من يرثي لحالي، اما الان فسوف احصل على ما اريده بقوة ساعدي، وللحال اخذي يتصدى لمن لا يلبي رغباته فارضا قوته وبأسه في الحارة، فأصبح ذا شأن والتف حوله الناس وصار محبوبا بنظر الاغنياء ونمت ثروته ولم تمضي إلا فترة وجيزة حتى طار صيته في المدينة وما كان من رئيس التجار إلا ان ارسل بطلبه حيث كرمه واعتز بقدومه قائلا: ايها الشاب الوسيم والشجاع لقد بلغني عنك الكثير وتبين لي انك ذو بأس وقوة وشجاعة فائقة، لا اخفيك سرا بأن ثروتي هي الآن بيد أناس ينوون النيل منها وسلبها بطرق ملتوية وقد اقتنعت بأنك الرجل المؤهل لإنقاذ ثروتي من هؤلاء اللصوص، فمنذ هذه اللحظة قد انتدبتك على كل ما املك من عمارات ومصانع وبساتين وأراضٍ زراعية، فأنت خير من يتمكن من حمايتها وقد توسمت فيك خصال الشجاعة والامانة والوفاء وقد ملكت حيزا في قلبي فقررت إهداءَك ابنتي الوحيدة لتكون شريكة حياتك، فهي تليق برجل شجاع مثلك. فما كان من الفتى الا ان تضرع الى الله وقبل ما انعم عليه من ثروة وزوجة لم يكن يحلم بها يوما وتنعَّم اليتيم بما أُغدِق عليه من اموال لم يكن يتوقع الحصول عليها في حياته.

وهكذا يا زمن ابتدعت:

من المسكين شجاعا

ومن ابن الامان والسلام جبارا

ومن اليتيم وريثا

ومن المتسول وكيلا

تعلو الصروح ببركة من الله

يحكى ان عائلة كانت تعيش في احدى المدن وكان رب العائلة يعمل في احد المعامل بقسم النجارة يتقاضى مرتبا زهيدا يكاد يسد الرمق، وظل على هذا الحال سنين عديدة، وذات يوم فكر في قرارة نفسه بان يترك عمله ويفتش عن عمل آخر عله يدر عليه ربحا مناسبا فتنتعش العائلة اقتصاديا. فترك عمله ليعمل في احدى الدوائر الحكومية بدخل شهري يزيد قليلا عن دخله السابق وقضى في مهنته الجديدة عدة اعوام لم يتمكن فيها من ادخار اي مبلغ، بل كان يسد رمق العائلة من مأكل وملبس وحاجات اخرى، ولكن الرجل كان مثابرا وطموحا وتواقاً ليصبح ثريا ويعيش عيشة ترف ورغد ففكر ان يترك عمله ويشتري مخزنا صغيرا ويعمل لحسابه الخاص عملا حرا فكان له ما اراد بعد ان طلب مساعدة اصدقائه المقربين الذين مدوا له يد العون، وعمل في مخزنه الجديد بحكمة ومثابرة ونجح نجاحا باهرا حيث اغدق مخزنه عليه ربحا لم يكن يحلم به وأتاه الخير من كل جانب مما مكنه ان يفي ديونه التي كان قد اقترضها من اصدقائه، ثم عمد على توسيع مخزنه الصغير حتى غدت اسواقا مرموقة في الحارة، واستمر بعمله بشوق ولهفة وعزيمة وتمكن من توفير مبلغ ضخم من المال عز عليه ان يبقيه في البيت خوفا من ان تمتد اليه يد سارق او امور اخرى اختلجت في ذهنه، فقرر ان يودعه في احد المصارف. وفعلا نفذ رغبته وقام في احد الايام مبكرا وذهب الى المصرف واودع ما عنده ولم يبق معه الا مبلغا زهيد يحتاجه لتمشية اموره الخاصة. وفي مساء احد الايام وبينما كان يهم بغلق مخزنه متاهبا للعودة الى المنزل واذا باحد اصدقائه يباغته بالقول: هل وصلك الخبر الذي نشر في الصحيفة المحلية عن افلاس المصرف الذي اودعت فيه نقودك، فقاطعه الرجل قائلا كيف حدث ذلك ومتى؟ فأجابه ان الخبر نشر قبل يومين في احدى الصحف وذهب الرجل مسرعا الى المصرف فوجد الابواب مقفلة ثم اخذ طريقه الى بعض الاصدقاء مستفسرا وتأكدت له صحة الخبر فرجع الى بيته حزينا كئيبا وما ان دخل الدار حتى لاحظت زوجته انه يعاني من امر خطير، وان هناك علامات ارتسمت على محياه تدل على ذلك وهو يعاني من امر يختلج في داخله، فبادرته بالسؤال عما يدور في سريرته من امور حينئذ اخبر زوجته بالامر ولكن امرأته كانت حازمة ورزينة فشدت من ازره وشجعته على الاستمرار بالعمل اما هو فعاد الى رشده واخذ بنصيحة زوجته متذكرا العناية الالهية ووضع اموره بيد الخالق الذي لا ينسى عباده واسلم امره لمدبر الاكوان قائلا بقرارة نفسه: لا يعلو بنيان الا بمشيئتك يا رب. اني عبد متواضع راضي بما انعمته علي ومهما كانت التجربة قاسية فعلي تحملها ولتكن مشيئتك يارب، وقامت امرأته التي ما انفكت عن مؤازرته وبدأت تشجعه، واستمر في عمله واستطاع بعد اشهر ان يستعيد قسما من ثروته بعد صبر وهمة في العمل وبدأ وضعه يتحسن تدريجيا وعاش مع عائلته عيشة هنيئة كريمة بعد ان اقتنع بأن الارزاق بيد الله سبحانه وتعالى.

جمال – وأغنية

الازهار – ونشيدها

السعادة – وابتسامتها

كل ما تحت الشمس يسبَّح الله ويمجَّد اسمه القدوس.

الشمس بأشعتها، والقمر بضيائه، والنجوم بمجدها، والارض بسهولها، وبحارها و جبالها، والريح بعصفها، والانهار بجريانها والشجر بثمره، والازهار بعطرها، والبساتين بفواكهها، والطيور بتغريدها، والزرع بخضرته، والحمام بهديله، والجمال بروعته وعنفوانه، والسعادة في ابتسامتها، والموج برقصته، والاغنية بعذوبتها ولحنها الذي يدخل الى القلب، والمطر بخيوطه الفضية القادمة من الاعالي، والرعد بصوته وزمجرته، والبرق بوميضه والانسان بقلبه وعقله وباعماله الصالحة وبصوته الشجي الرخيم، يبتهلون وهم سجد للخالق سبحانه وتعالى صباحا ومساء، ليلا ونهارا مقدمين الشكر والثناء لمن اوجدهم وابدعهم من العدم، اما الإنسان فميّزه على جميع مخلوقاته فصوره على صورته ومثاله واغدق عليه فيض نعمه ومنحه النطق والكلام والحكمة والعقل والجمال الذي هو دليل الحب ونشوة النفس وعزاؤها وغذاء القلب وبيت السعادة ومصدر الفرح ومبدأ الراحة النفسية والجسدية وابتسامة مرسومة على شفاه البشر ومطبوعة في نظرات الاطفال وفي قلوب الشباب اما الازهار فتراها تنشد لمن وهبها الحسن والجمال قائلة: انا نجم هبط من الخيمة الزرقاء على بساط اخضر، انا هدية المحبين واكاليل العرسان، انا نسيم الصباح وتغريد الطيور عند الوداع، انا اتنفس الهواء فاعطره واشرب خمرة الندى فارسلها رحيقا للقلوب التواقة الى الحب، اتمايل في السهولة فأزينها وادخل المروج والبساتين فأزيدها حسنا وجمالا، اسمع أغاني البلابل والشحارير وارقص على تصفيق الأعشاب وينظر الى يبتسم قلبه وتنتعش روحه.

اما الجمال: فينادي بأعلى صوته ويقول انا عشق البرية، انا ابتسامة الورود، انا السمفونية التي تعزفها البلابل صباحا، انا جوقة الملائكة التي ترفرف باجنحتها فوق الارض انا المحبة، انا الرحمة، انا السحر، انا الزهرة التي تتلألأ في كبد السماء، انا الماء الزلال، انا الثلج فوق قمم الجبال، انا الروح الوثابة في قلب الشباب، انا حواء الطبيعة، انا الذي اسعبدت قلب آدم وطغيت على جوانحه واخرجته من الفردوس، انا الذي علمت الحكمة للنبي سليمان، انا من اغرى قلب داود الملك، انا الذي دخلت قلوب العشاق فأرديتهم سكارى، انا جمال المرآة التي استولت على قلوب الرجال انا ابتسامة الحقول، أنا غذاء القلوب أنا مصدر الفرح ومبدأ الراحة وابتسامة لطيفة على افواه الصبية. أمّا السعادة التي ادخلها الباري سبحانه وتعالى في قلوب عباده فتقول: انا ينبوع الخير والعطاء للبشرية ونعمة من الله تتفجر داخل القلب، انا ابتسامة على افواه الفقراء والمساكين والمتألمين، وانا شجرة البنفسج المختبئة بين الأدغال يستنشق الناس عطري ورائحتي الزكية ولا يعرفون مكاني، اما الانسان فهو صديقي وانا حبيبته، اشتاق اليه ويهيم بي، اطلبه في البراري وفي الصحارى وفي الحقول وفي البساتين وفي الجبال وفي البحار وعلى ضفاف الأنهار أطلبه في معاهد المعرفة وفي هياكك الحكمة، اطلبه في حقل القناعة واناديه عند الفجر حيث يبتسم المشرقن اداعبه في المساء عندما تسود السكينة وتنام الأزهار، الإنسان يطلبني في جميع اعماله وفي افراحه فيضمني الى صدره مترنما بأناشيد الطيور ويقبل وجناتي اللطيفة وعندما تعانق المخلوقات طيف الكرى ويرقد في نوم عميق امنحه السكينة والطمأنينة وأسعد قلبه ليهنأ و يغفو حتى الصباح فيستيقظ من نومه مرتاح البال ويشعر بالغبطة والسرور وعلى شفتيه عبارات الحمد والثناء لمن وهبه الراحة والسعادة والابتسامة واسمعه نشيد الأزهار وملأ قلبه من عبق الورود الجميلة.

مراسيم زواج الزوجة الثانية

لكل امريء رغب في الزواج نصيب يختلف عن سواه وهذه سنة الحياة، فمنهم من يكون سعيدا بزواجه وتكون زوجته صالحة رزينة ذات اخلاق فاضلة ترضي الله وترضي زوجها واهل دارها بجميع تصرفاتها، وتكون متفتحة على الحياة ذات عقلية فذة تسعد اطفالها الذي يرون فيها الطمأنينة والسكون حيث تشملهم برعايتها وتعتني بمأكلهم وملبسهم منذ نعومة اظافرهم وحتى بلوغهم. العكس من ذلك هناك من تذيق زوجها واهل دارها مرارة العيش وتحول حياتهم الى بؤس وشقاء، والسعيد من حظي بشريكة العمر التي تنسجم معه في جميع النواحي الفكرية والاجتماعية وتساعده في المحن والشدائد وتقف إلى جانبه وتمد اليه يد العون في المواقف الصعبة وتربي له اطفال تربية خاصة، وتكون مدبرة ومرشدة وقدوة حسنة تريح العائلة في غدوها ورواحها وفي جميع تصرفاتها داخل المنزل وخارجه وهذه نعمة من الله للزوج الصالح. و لابد لي ان اقول يا حبيبتي انك اصبحت من نصيبي بعد ان فقدت شريكة حياتي الأولى بحادث مؤسف وبعد ان تمت موافقتك وموافقة والديك. وللحال بعد انتشار الخبر قام اصدقائي المقربين وذهبوا الى السوق المجاورة واشتروا لي بدلة جديدة يلبسها العريس يوم زفافه، ثم جاء اخي الصغير وبيده قنينة عطور فعطر وجهي ورش عليه بلسما من رحيق الازهار ثم تركني وذهب صوب حبيبتي الحسناء ووضع على رأسها تاجا مرصعا باللؤلؤ والمرجان ذات الوان زاهية وجذابة، ثم بادرت الوصيفة فألبست العروسة حلة قشيبة بيضاء ووضعت في صدرها قلادة من الكهرمان وزينت ساعديها بالحلي والذهب، ووضعت على رأسها إزارا يستر وجهها ووضعت في رجليها احذية من جلد الغزال مغطى بقماش كشميري. ففكرت في الامر ملياً وقلت في قرارة نفسي لماذا هذه الأبهة وقد مرت علي سنين وكان زواجا بسيطا وسعيدا فرح الناس في حينه على طريقتهم الخاصة. وبعد تفكير عميق توصلت الى ان كل ذلك مخالف للتقاليد ولطبيعة المنطقة التي نعيش فيها ولكن هذا الذي يحصل اليوم يعتبر بنظر القوم تقدماً حضارياً، فتركت الامور تجري وفق الظروف الآنية، ثم قامت والدتي واهدت خطيبتي وردة بيضاء تدل على الطهارة والنقاوة وفرشت امامها انواع البدلات المطرزة لتختار ما يناسبها فاختارت بدلة من القماش الهندي المطرز ثم وضعت قبعة بيضاء على رأسها، وجاء دوري فأهدتني والدتي غصنا من الزيتون يرمز الى الهدوء والحشمة والامان والبركة ثم قمت من مكاني ضاماً عروستي الى صدري بعدها اهديتها سعفا من النخير رمز الرجولة والإخصاب، واخذنا طريقنا الى القاضي لعقد القران وكان رجلا وقورا سألها: هل توافقين ان تتزوجي الرجل الماثل بجانبك؟ فأجابت: نعم، ثم سألني: هل ترغب الزواج من الفتاة الماثلة بجانبك؟ فأومت اليه بالقبول ولكنه طلب من ان افصح ذلك بكلام صريح فوافقت وقدمت له رسالة خطية وطلبت منه ان يقرأها أمام الحاضرين ليطلعوا عليها شهودا على فحواها فاخذ مني الرسالة وقرأها وبصوت عالٍ، وهنا بدأ الدمع يترقرق من عيني فقد ذكرت فيها زوجتي الأولى المخلصة التي كانت بحق زوجة مثالية والتي انجبت لي طفلا وكانت عونا لي في الملمات وساعدي الأيمن في عاتيات الزمان اسكن اليها اتعابي واطمئن بجوارها في الشدائد واستشيرها في المحن وتقوي وتنير ذاكرتي في كل صغيرة وكبيرة وكانت تكتنفني بذراعيها وبقلبها الواسع ومع ذلك تمالكت نفسي وتغلبت على مشاعري وشكرت القاضي على صبره وحكمته وفصاحته في تلاوة الرسالة، وما كان من عروستي الا ان ترقرق الدمع في عينيها واخرجت منديلا من جيبها لتمسح دموعها، فرثى الناس لبكائها ولكنها سيطرت على الموقف المؤلم ورضخت للأمر الواقع ثم عقد قراننا وأخذت عروستي بعد انتهاء المراسيم الى البيت وسط اهازيج النساء ورقصات الشباب وحملتها في حدقة عيني ثم ادخلتها في جانب قلبي؛ لأنّ روح زوجتي الاولى كان قد اخذ جزأ منه وكان عبقها يفوح عطرا في انفي كلما تذكرتها. حينئذ شكرت الله على نعمته وقبلت وجه القمر الذي كان يشع ضياءً خافتا وقلبت الكواكب وقبلت الجبال والوديان واشجار الصنوبر والتين والرمان المغروسة في وسط حديقتنا وناديت الشحرور ليغني لنا لحنا شجيا وطلبت من العصافير النائمة في اوكارها ان تستعد لتعزف لنا سمفونية في الصباح الباكر ورفعت عيناي نحو الغيوم المتلبدة وطلبت منها ان ترسل مطرا غزيرا لتفرح القلوب فكان لي ما اردت حيث استجابت السماء لندائي وتهلل الناس فرحا بهطول المطر، ثم ارتديت الملابس البيضاء التي يرتديها العريس وقت النوم واستعملت ادوات التجميل التي كان تستعملها حبيبتي الاولى وشعرت بعنفوان الشباب وبروح وثابة وتواقة الى حب ولكن الحمام الموجود في وكره فوق شجرة الزيتون المغروسة في وسط الحديقة اخذ يراقبني ويغار مني وذهب يجوب الدور المجاورة حتى ظفر بعشيقته فقبلها امامي وفي الصباح سمعت هديله وهو يحييني بتحية الشباب التي تليق بسيده العريس الجديد، وقال لي انك مدعو عندي هذا اليوم لتناول وجبة الغداء ولكني سأقبل عروستي قبلك لأعلَّمك معنى الحب الذي انعم به الله على جميع مخلوقاته .

فن في صياغة الجمل

وذكاء وبراعة الحيل

قال الأب لأبنه محذرا:

يا بُنيّ: احذر الغدر والخديعة واياك والاخلاق الشنيعة ولا تغرنك جزالة الاسلوب وروعة البيان لان حقائبها مليئة بالاحزان.

يحكى ان طائرا مر بفخ فحدق به متفرسا وقال له: ما لي أراك متباعدا عن الطريق؟ فأجاب الفخ: أردت العزلة عن الناس لآمن منهم ومن شرورهم ويأمنوا مني ومن افعالي. فقال الطائر: الجور بارد جدا والغيوم مكفهرة ومتلبدة وقد ترسل مطرا غزيرا واراك مقيماً في التراب واني بطبيعتي اكره السكن في البيوت المفروشة والجلوس على الارائك المنقوشة، فالإقامة في التراب تواضع مني ليس إلا. فقال الطائر: أرى جسمك نحيلا هزيلا، هل تعاني من مرض لا سمح الله؟ فأجاب الفخ: لقد اتعبتني العبادة فأنا اصلي منذ بزوغ الفجر وحتى غروب الشمس استغفر الله عن ذنوب سابقة وارتكبتها في ايام شبابي، فقال الطائر: سامحك الله وغفر لك ذنوبك ولكن ما هذا الحب الذي وضعته حول عنقك؟ فقال الفخ: ملبس النساك لقد نذرت نفسي للزهد في حياة الدنيا الزائلة وملذاتها الرخيصة طمعا بالسعادة الأبدية. فقال الطائر: نعم ما فعلت ولكن ما هذه العصا بيدك؟ أجاب الفخ: لقد بلغت من الكبر عتيا فأني بحاجة الى هذه العصا لاتوكأ عليها بذهابي وإيابي وأهش بها على غنمي ولي بها مأرب آخر. فقال الطائر: أعانك الله على الشيخوخة وأمراضها ولكن ما هذا القمح الذي عندك؟ فأجاب الفخ: هو فضل قوتي أعددته لفقير جائع او ابن سبيل منقطع في هذا البرد القارص. فقال الطائر: لقد انقطعت بي السبل واني جائع وانت كريم المعشر، فهل لك ان تطعمني فتكسب اجرا عظيما والله يجازي المحسنين؟ فقال الفخ: تفضل يا أخي على الرحب والسعة ما أرخص طلبك أيها الصديق العزيز دونك الحبة التقطها فلما القى الطائر منقاره على حبه الحنطة اطبق الفخ على عنقه فقال الطائر للفخ: بئس ما اخترت لنفسك من الغدر والخديعة والأخلاق الشنيعة، وما هي الا هنيهة حتى شعر الطائر ان صاحب الفخ قد قبض عليه، حينئد قال الطائر في نفسه بحق قالت الحكماء: من تهور ندم ومن حذر سلم، ولكن كيف لي بالخلاص ولات منه مناص، ثم رفع عينيه وقال للصياد استعطفك الرحمة والشفقة إنني طائر مسكين وان لحمي لا يشبع الجوعان وريشي لا يكسي العريان فان اطلقت سراحي سأغنيك فقال الصياد بماذا تغنيني؟ قال الطائر سأغرد فوق الشجرة في منزلك ليل نهار وسأجمع طيور الحارة حولها لتصيد منها ما تشتهي. فقال الصياد أما سمعت المثل القائل:

(عصفور في اليد خير من عشر على الشجرة)

حول المرقد

في ليلة حالكة السواد قارصة البرد ونحن نحيط بالموقد كما تحيط الهالة القمر كان المطر ينهمر ويدق بأنامله على زجاج النوافذ بنغمة سمفونية والثلوج تتساقط بين حين وآخر وأنا وحبيبتي نتبادل القبلات على ضوء نور خافت ينبعث من مصباح قديم يعطينا بصيصا من الضياء وقليلا من الحرارة الدافئة، فيا حبيبتي اقتربي مني ولا تدعي مجالا للثلج وبرودته والمطر ورطوبته والعصف وزمجرته والهواء وزمهريره ان يفعل فعله، فالحب اقوى وادفأ منهم جميعا، اوصدي الأبواب والنوافذ جيدا فأني لا استطيع النظر الى الجو الغضوب بغيومه المكفهرة والى الرعد وصوته والى البرق ووميضه، اسقي السراج زيتا يا حبيبتي لكي لا ينطفيء وضعيه بالقرب منك لأنظر الى وجهك الوضاء والى ثغرك الذي يبتسم عطرا وبلسما والى عيونك الحالمة المتوشحة روحك الطاهرة، أحضري لنا على الموقد قدحين من الشاي لتزيد قلبينا حرارة ودفئا ولنتذكر ايام الشباب عندما كنا في شهر العسل، ها قد اوشكت النار ان تخمد وكاد الرماد يخفيها، ضميني الى صدرك فقد انطفأ السراج وتغلبت عليه الظلمة الحالكة، اعيننا ثقلت والأجفان تغزلت بالكرى ارمقيني بعينيك التي تكحلت بالنعاس، عانقيني قبل ان يعانقني النوم، فلنذهب الى السرير لنرتاح ولننام، آه ما اعمق بحر النوم...!

الكلام

إن أول كلمة يتفوه بها الطفل منذ نعوم أظفاره هي (بابا – ماما) ويبدأ يتدرج في اللفظ فيلتقط ويتعلم كلمات وعبارات بسيطة من محيط البيت حتى بلوغه الرابعة من عمره فيكون مؤهلاً للدخول في دور الحضانة وبعدها رياض الاطفال، فيتقن الاناشيد الرقيقة المناسبة والكلمات الشفافة، وتتغذى روحه بما تقدمه له المربيات والمرشدات والمعلمات من عبارات الود والمحبة، فتراه يزهو كزهر الاقحوان ويطير في الروضة كفراشة بين الازهار ويتلقى من والديه واخوته في البيت العطف والرأفة والحنان الى ان يبلغ السادسة من عمره فيدخل المدرسة الابتدائية ويبدأ يخالط ابناء الحارة ويحتك بالمجتمع، وهنا تبدأ المأساة، الأمر الذي يستوجب الوقوف لنلقي نظرة على هذا المحيط الذي سيعيش فيه هذا الطفل وماذا يتعلم منه؟

بمزيد الاسف اقول انه يبدأ يغير سلوكه وينسى ما تعلمه في رياض الاطفال ويبدأ يتعلم من المحيط نمطا خاصا من الكلام يؤثر تأثيرا مباشراً في نفسه ويغير مجرى حياته، فهناك من يتكلم وصدره مفعم بضجيج تأباه المسامع، وآخرون يرفرفون حول أذنه نغمة تافهة شيطانية ملؤها الكآبة والبغضاء، وهناك من يُخرج من فمه عبارات ذات جعجعة جهنمية، وآخرون يرفدونه بأصوات تشبه نقيق الضفادع، وآخرون يصرفون ساعات عديدة يوميا محولين سكينة الدجى الى عويد نحيب وآخرون يقرعون بأذنيه اصوات تشبه قرقعة الطبول الفارغة وهناك من لا عمل له فيبدا يمضغ كلام الناس بدون مغزى او فحوى وهناك من يستغيب الناس بثرثرته التي لا تنقطع ليل نهار، وهناك من يتكلم وكأنَّ كلامه نعيق غراب حائم حول جثة هامدة في البراري ينعت هذا باوصاف ويشرح ذاك ويسمع الآخر ما لا يحمد عقباه وهناك من يدق الأجراس ويدعو الناس الى عمل الخير ومساعدة الفقراء اما هو فيداه مغلولتان الى عنقه، وهناك طائفة نائمة تملأ الفضاء غطيطا إلا انها عندما تستفيق من نومها لا تدري ما تعي وما تقول بل تتخبط بمعترك الحياة، وهناك من امتلأ قلبه سموما كأنّه حية رقطاء او ثعبان متدلي من سقف منزل قديم يلدغ هذا ويحقن السم في قلب ذاك، وهناك من ينتقد كلام الناس ناصبا نفسه قاضياً في المجتمع، وهناك من يكدر صفو العوائل فيبذر من انفاسه النتنة ما يؤجج فيها نار الحقد والضغينة والفرقة كأنّه عقرب ذات قرنين، ومنهم من لا يستطيع الكلام الا وعبارات الكفر والزندقة على لسانه والقسم بالله قد اتخذه دستورا لعباراته المليئة كذباً وبهتانا.

بعد كل ما ذكر اقول لمن يريد ان يتعلم الكلام الذي يفيد المجتمع ويفيد قائله ان يكون كلامه موزوناً وان يتعلم عبارات الحشمة والأدب ويرتشف رحيق الاخلاق الفاضلة وينتقي ما هو صالح لمسيرته وينبذ كل ما من شأنه تكدير صفو حياته وعليه السير في الطريق المستقيم؛ ليكون رجلا صالحا في عمله وكلامه نزيها تجاه المجتمع، وعليه ان يغربل سريرته مما يصلها من الكلام فيطرد السيء الذي لا يليق به، ويأخذ منه ما يفيده ويتبع من ينصحه ومن يرفد مسمعه بعبارات نابعة من قلبه الحنون والمتعطش لمساعدة الناس وحبهم وان يتخذ من هذه الفئة قدوة له ونبراسا يضيء حياته ويترك كل نمام وكل حاقد وكل متغطرس لأنّ عشرتهم تؤدي الى البؤس والشقاء. وعليه بالمؤمنين الصادقين المتواضعين الذي ترعرعوا بالفضيلة والادب والرزانة ورضعوا الحليب الطاهر النقي من امهات سهرن على تربيتهم ليال طوال لكي ينجو من الرذيلة ومن الفساد وعليه ان يحفظ نفسه ويصونها ويحملها على ما يشرفها ويزينها ليعيش امنا سالما يرضي الله ويرضي الناس ولتكن كل عبارة ينطق بها بلسما وعطرا في صدر كل من يسمعها وليتذكر دوما ان خير الكلام ما قل ودل، وختاما اعتبر نفسي كالطبيب المعتل فقد هجوت الكلام بالكلام فهل يغفر الله ذنبي وينقلني الى قاعة الفكر والعاطفة والحنان حيث لا كلام ولا متكملين.

الغني غني النفس

وليس غني المال

يحكى ان صبيا في العاشرة من عمره نشأ وترعرع باحضان امه يتيما بعد ان فقد والده بحاث مؤسف. فما كان من امه إلاّ أن احتضنته وقدمت له كل ما تستطيع تقديمه من مأكل وملبس وحاجات اخرى، وذلك بخدمة عائلة ميسورة تتمتع بسمعة طيبة وجاه رفيع، الى ان بلغ أشده وقد تمكنت والدته ان تشتري له عدة نعاج لتستفيد العائلة من منتجاتها، وكان يذهب كل يوم ليرعاها على سفح جبل بين المروج المنتشرة في تلك الروابي والوديان، ولكن الصبي بعد ان بلغ الثامنة عشرة من عمره كان طموحا ذكيا تمكن من الانخراط في احد المعامل الميكانيكية مما مكنه بعد عدة سنوات من ادخار مبلغ لا بأس به من المال، وبادارة ودراية وحكمة تمكن من بناء قصر على نهر صغير يمر وسط قريته واشترى اراضٍ زراعية استغلها على الوجه الامثل فاغدق عليها مبلغا من المال مكنه ان يساهم في احد المعامل لتنقية الحبوب، ولم تمض سوى سنين معدودة حتى اصبح من اثرياء الارة يشار اليه بالبنان، وكان شابا وسيما ذا اخلاق فاضلة محبوبا سليم القلب بريئا في تصرفاته مع ذويه واصدقائه ويشملهم بعطفه وحنانه يمد اليهم يد المساعدة ويغدق عليهم ما تجود به اياديه السخية، وكان يحب الناس ويتعامل معهم بالحسنى ويساعد الفقراء والمعوزين، ولكن المال لم يتركه على هذا الحال ففعل فعله وافقده صوابه وكدر صفوته واثقل عليه همه وغير سريرته حيت استولى على قلبه وتعلق به تعلق الرضيع بأمه، والعاشق بعشيقته والحبيب بحبيبته فتغير سلوكه وأسَّر الاصفر الرنان يديه وكبلها بقيود حديدية ونسي الحليب الطاهر الذي ارضعته امه عندما كان في عهدتها يتيما، نسى الخصال الحميدة والبذور النقية التي بذرتها امه في صدره في صغره فتغير سلوكه وفقد بصيرته ودخل حب المال في قلبه دخول الاظفر في اللحم.

وذات يوم وبينما كان يتخطى في حديقته المليئة بالاشجار المثمرة وبأنواع الورود واذا بالهموم تتبعه خطوة خطوة والقلق يحوم حوله كما تحوم النسور على جثة هامدة في البراري وظل يمشي تاركا قصره حتى بلغ نهرا صغيرا تكاثر العشب على جانبيه وغطت الازهار السهول الممتدة بين الروابي لتكسبها حلة قشيبة، فجلس هناك ينظر تارةً الى المياه والمتدفقة من الجدول واخرى مصغيا الى صوت الشحرور المغرد على الاشجار القريبة وفي مخيلته لا تعدو عن كونها مخيلة عاشق ينظر الى خال جلس على وجنة فتاة حسناء في السادسة عشرة من عمرها اخذ يتذكر ايامه الماضية ومرت امام عينيه صفحات مضت من حياته فلم يتمالك نفسه ولم يتمكن من السيطرة على جوانحه حتى ترقرق الدمع في عينيه وقارن وضعه الحالي المتدهور اجتماعياً بالسيرة الفاضلة التي كان ينتهجها عندما كان شابا في مقتبل العمر وكيف كان يساعد كل محتاج ويعطف على كل فقير ويمد يده الى كل محروم وللحال انصبت الدموع في مقلتيه فأخرج من صدره عبارات ان دلت على شيء فانها تدل على البون الشاسع بين ماضيه وحاضره، بين حياته عندما كان في عنفوان شبابه فقيرا يساعد الناس ويمد يده للمحروم. ويتصدق على الفقراء والمعوزين وما هو عليه الان من غنى وجاه فقال: كنت بالامس أرعى الغنم بين تلك الروابي المخضرة على سفح جبل افرح بالحياة الهادئة وانفخ بالمزمار لأعلن عن سروري وفرحتي المارة وانا اليوم اسير المطامع يقودني مالي الى الانهماك في ملذات الحياة الزائلة والى الجشع والى الشقاء، كنت كالبلبل اغرد وكالفراشة أطير اتنقل بين الحقول وكالنسيم أمر على المياه فأخذ منها القطرات لألقيها على المروج والاعشاب التي تينع وتتغذى وها انا سجين عادات المجتمع وتقاليده، كم اتمنى لو اني بقيت على فقري لأتمتع بمسرات الدنيا البريئة ولكني مع الأسف أرى نفسي كثيرة الغم والهم فصرت كالجمل في البادية يحمل القمح والتمر فوق ظهره ويأكل العشب والشوك، ياترى اين السهول الواسعة الخضراء واين الجداول المنحدرة من اعلى الجبل والمترنمة بهدير المياه واين النسيم العليل والهواء النقي واين مجد الطبيعة ومناظرها الخلابة عندما كنت ارقبها وامتع نظري بالنظر اليها وانا ارعى غنمي، لقد فقدت كل شيء ولم يبق لي سوى الذهب والدرهم الذي اسعى اليه. ولكن حتى هذا المال الذي جمعته وادخرته بعرق جبيني اخذي يستهزئ بي ويحتقرني كالعبد أمام سيد ظالم، لم اكن احسب ان المال يقودني الى مغاور الجهل الحالكة والى دهاليز الظلمة ويضع قناعا وغشاوة على عيني لأرى الناس اشباحا. ثم ما لبث ان قفل راجعا سيرا على الاقدام بخطوات بطيئة نحو قصره مرددا في سريرته: أهذا هو الصنم الذي عبدته حتى اصبحت عبدا له! واستدرك يقول لا لن أكون عبدا ولن أرضخ لسلطان الذهب، أريد إبداله بنسمة من الحياة الحرة الكريمة وبفكر حر جميل وبمحبة الناس جميعا وبتضحية من اجل الفقراء، أريد شخصا يعطيني عيونا ترى جمال الناس في ذهابهم وايابهم وجمال الطبيعة بزهورها وعنفوانها وعطرها ونسيمها العليل لأعطيه كل ما املك من ذهب ومجوهرات، وعندما وصل الى قصره صرخ بصوت عال ايها الشعب السالك في الظلمة الى متى نأكل الشوك الممزوج بالحنظل ونستولى على اموال الفقراء واليتامى والارامل ونرمي القمح والثمار والازهار الى هاوية، والى متى نسكن البيوت الخبة والسبل الوعرة ونترك حياة الحقول والمروج الخضراء والبساتين المثمرة، لمذا نرتدي الاثواب البالية ونترك وشاح الايمان الناصع البياض، فمن يعطني قلبا ابيضا ناصعا ساعطيه كل ما أملك، لأنّ سراج الحكمة قد انطفأ وعلينا سقيه بالزيت لكي لا نترك اللصوص تسلب الخزائن في الظلمة وتنهب سعادتنا ولنكن يقظين لان المال كالحب يميت من يظن به سوءاً، يحيى واهبه ومن يحسن التصرف به يملأ صدره فخرا وعزا وجاها، لأنّ الغني الذي كسب رزقه بحدود المسموح به بعيدا عن الجشع وعن الربا ويوفر من ماله قسطا بكل مناسبة ليرفد به الفقراء وذوي العاهات ودور اليتامى والعجزة والجمعيات الخيرية ويمد يده لمن ضاقت به السبل يستحق الثناء والتقدير وسوف يجازى في الآخرة ويكرم من مجتمعه ويكون عنصرا ايجابيا يرضي الله ومن حوله يعيش حياته هنيئا وقد احسن عملا بما وجب عليه لآخرته مرضيا ضميره وفق ما تمليه عليه قوانين السماء، وبهذا يكون قد احسن التصرف بما وُهِب له من خيرات وما أُغدِق عليه من نعم.

العناية الالهية

كان في احدى المدن نجار فقير يزاول مهنته في دكان وسط السوق يرتزق من مهنته رزقا حلالاً يسد به رمق العائلة، وفي احد الايام جاءه رجل شرير يريد ايذاءه لمارب دنيئة، وقال له: أريد قنطارا من نشارة الخشب من الان وحتى صباح الغد، فاجاب النجار المسكين: يا اخي ان جميع النجارين في المدينة ليس بمقدورهم ان ينشروا رطلا واحدا من النشارة الى صباح الغد فأجاب الشرير وفي نفسه حقد ومآرب خبيثة سوف يحل بك ما لايحمد عقباه اذا رفضت الطلب وتركه وانصرف. وما كان من النجار المسكين الا ان قفل باب دكانه وعاد مسرعا الى بيته وآثار الحزن والكآبة على محياه فرأته زوجته على هذا الحال فسألته: ما الذي يشغل بالك؟ اراك حزينا كئيباً غير مستقر الذهن. فقال لها: جاءني رجل شرير وطلب مني قنطارا من النشارة اوفرها له حتى صباح الغد، فمن اين لي أن ألبي طلبه وهو شخص متعجرف وشرس؟ فقالت الزوجة المسكينة وقد ترقرق الدمع في عينيها: عليك اخذ قسطٍ من الراحة يا حبيبي وما عليك الا ان تدع الامور للخالق عز وجل فهو الجبار القوي الذي يخزي الاشرار ويحفظ المساكين ومتواضعي القلوب، فما كان من النجار الا ان انزوى ليرقد في منامه وقد اضطره خوفه الى اليقظة عدة مرات في الليل فزعا. وبعد الهجيع الاول وبينما كان يغرق في نوم عميق وكان الكرى قد اثقل جفنيه واذا بالباب يطرق بقوة فهرع مسرعا خائفا ظاناً انه الشرير الذي ينوي النيل منه، ولكنه فوجئ بثلاثة رجال يحملون الان حفر فقال لهم ماذا تريدون وما شأنكم في هذه الساعة المتأخرة في الليل فأجابوا: اسرع الى الدكان واعمل تابوتاً. فقال لهم: من عسى ان يكون المتوفى في هذه الليلة؟ اجابوا: الذي طلب منك قنطارا من النشارة، فقد دهسته سيارة وهو يعبر احد الشوارع فاردته قتيلا فما كان من النجار المسكين الا ان حمد الله في سره وقدم الشكر للعناية الالهية وتضرع الى الذي لا ينسى عباده، وللحال اخبر زوجته بما حدثت فقالت له اُلم أقل لك يا حبيبي دع الامور بيد الباري عز وجل فهو المدبر والقدير وهو الذي يحيي ويميت، وأن عين الله ساهرة ترى ما في السماوات الارض وهو الذي يرفع متواضعي القلوب ويخزي المتكبرين وبيده مفاتيح الجنة، يدخل اليها من يشاء وهو الذي يعاقب القاسين القلوب والاشرار ويرسلهم الى جهنم لينالوا جزاءهم العادل ويسكن الصالحين المنازل السماوية المعدة للاتقياء منذ الازل.

فصل الخير والعطاء

اقبل الربيع هلميء حبيبتي نمشي بين البساتين المخضرة، هلمي نمشي بين الآكام والمرتفعات والروابي ونصعد الى الجبل المطل على قريتنا لنتنشق الهواء النقي الذي ينعش الفؤاد ويشفي العليل ثم ننحدر الى المروج الخضراء لنمتع نظرنا بما خلقه الباري عز وجل ثم الى الوادي لنسمع خرير المياه وصوت الجدول الذي يخترق السهول المكسوة بحلل سنسدية، فقد ذابت الثلوج وهبت الحياة من مراقدها، هيا بنا نرى البساتين التي نشر الربيع ثوبه الاخضر فاكتست به الاشجار وظهرت المروج كالعرائس تتبختر واستيقطت الكروم وتعانقت الاغصان كالعشاق وجرت الجداول راقصة بين الصخور مرددة اغاني الفرح وانبثقت الازهار من قلب الطبيعة، تعالي يا من مَلَكَتْ قلبي واستولَتْ على جوانحي نشرب كؤوس الكوثر، ونملأ آذاننا من تغريد العصافير المفرحة، ونغتنم الفرصة لاستنشاق عبق النسيم الفواح من بساتين البرتقال والليمون، ولنجلس في بستان الزيتون بقرب تلك الصخرة حيث يصعد البنفسج بأريجه الذي يفوح عطرا وبلسما، لنتبادل قبلات المحبين تحت جنح الظلام وننعم بالنسيم الذي يهب عليلا من أعالي الجبل والذي يشفي القلوب التواقة الى الحب والراغبة في العيش الهادي، شاكرين للطبيعة ما اهدته للانسان ومقدمين للباري عز وجل الثناء بما اغدقه على الجنس البشري.

العالم المتمدن واطفال القارة السوداء

لو القينا نظرة عابرة على الافلام التي تعرض أمامنا على شاشات التلفزيون عن الشعوب الفقيرة خاصة شعوب القارة الافريقية والتي تسمى القارة السوداء وشعوب شرق آسيا وكم طفل يموت جوعا سنويا، لوجدنا هناك ملايين الاطفال يتضورون جوعا ويفارقون الحياة بسبب الفقر المدقع حيث لا يملك ذووهم ما يسدون به رمقهم، ناهيك عن تعرضهم لمختلف الامراض الوبائية ويموتون بسبب عدم حصولهم على الغذاء وعلى العلاج وكل هذا امام انظار المسؤولين في العالم المتمدن، يقابل ذلك عوائل ترفل بأبهة وعظمة وبيسر وغنى وتملك اراضي شاسعة ومقاطعات وتسكن القصور الفخمة ذات الحدائق الغناء في دول غنية بمواردها يعيش سكانها عيشة الترف والبذخ واللهو في جميع نواحي الحياة، الى ان بلغ الامر بهم الى تربية القطط والكلاب في دورهم والتي نفق على أكلها ونظافتها ملايين الدولارات، وقد خصصوا لها اطباء بيطريين لفحصها ومعالجتها وعندما يصيبها مكروه او مرض نرى العائلة بدءاً برب الاسرة ونزولا الى الطفل الصغير تتأثر بليغا كأن المكروه اصاب احد أفرادها، والعكس من ذلك تفرح العائلة فرحا شديدا عند اشتراك كلابها وقططها في السباقات والمهرجانات العامة، والذي اريد توضيحه في هذا المقال ان الانسان ومع الاسف الشديد قد فقد القيم الروحية تجاه بني جنسه وفقد العطف والحنان والغريزة الانسانية التي بذرها الله في قلبه وزرعتها الطبيعة في صدره ووصل الى درجة من المفارقة الاخلاقية التي دعته الى العناية بالكلاب والقطط والطيور والحيوانات الاليفة الاخرى وعدم الاكتراث بمعانات الملايين من الاطفال للذين يموتون جوعا ويتضورون الى لقمة العيش حيث لا مأوى يلتجئون اليه ولا كساء يسترون اجسامهم. هناك بون شاسع بين منازل الاغنياء واكواخ الفقراء حيث المخادع مزينة بقطع العاج وبصفائح من المعادن الثمينة والارض مفروشه بانواع السجاد تقابلها مآوى مفعمة باشباح وانفاس المنايا والاطفال يرضعون الجوع مع اللبن والصبايا يرتدين الذل مع قطع من القماش التي لا تكاد تستر عورتهم وشبح الموت يرفرف فوق اكواخهن، يا للغرابة هل نظرت هذه العوائل الثرية العائشة في قصورها الفخمة ذات الحدائق الغناء بعين العطف على هؤلاء الفقراء الذي يفقدون حياتهم بدون مأكل وبدون ملبس فيموتون وبطونهم خالية واجسادهم ترتجف من شدة البرد وقساوة ؟

هناك جمعيات تسمى جمعيات الرفق بالحيوان وهذا امر جيد وبادرة طيبة ولكن المطلوب ان يكون هناك مئات الجمعيات التي تطالب بالرفق بالانسان وبالطفولة، وخاصة المعدمين من البشر الذين يموتون كل سنة، فهل يرق قلب الاثرياء وينظرون بعين الرحمة والشفقة الى هؤلاء، ويتصدقون عليهم بما تجود به موائدهم الدسمة لينقذوهم من البؤس والشقاء؟ وهل فكرت الدول المتقدمة والغنية بمواردها والتي تدعي بانها محررة الشعوب من الفقر والجهل بما تعانيه الدول الفقيرة؟ وهل اكترث المسؤولون ممن يدعون الحرية والعدالة والمساواة بين الامم بمصير هؤلاء الاطفال وما تعانيه عوائلهم التي ترزح تحت نير الفقر المدقع.

نظرة واحدة الى المشاهد التلفزيونية كفيلة بهز مشاعر اصحاب الضمائر الحية حيث تقشعر الابدان وترتعد الفرائص لهذه المناظر المؤلمة.

لذلك اناشد الذين بيدهم مقاليد الامور في الدول المتقدمة والذي تتوفر لهم الامكانات المادية ان لا يغضوا الطرف عن مثل هؤلاء الاطفال وان يعيروا الموضوع ما يستحقه من الاهمية ويبذلوا ما باستطاعتهم لإنقاذهم من براثن الموت المحقق.

وختاما أسال الله ان يمد بيد كل من يسعى الى الخير ومن يجاهد لخير الانسانية المعذبة والله لا يضيع اجر المحسنين وما التوفيق الا من عند الله سبحانه وتعالى.

نقد لقصة

(الراهب والوحوش)

لجبران خليل جبران

كتب الاديب الكبير جبران خليل جبران قصة بعنوان (الراهب والوحوش) وعند قراءتي لهذا القصة كان لي موقف منها ونقد بناء اسجله لعل القارئ الكريم يبدي رأيا اخر فلكل امريء رأيه الخاص، وهذا امر مشروع عند الادباء والقراء الاعزاء، حيث ان الراهب كان يعيش وسط الروابي الخضر في صومعته الصغيرة على سفح جبل وكان رجلا وقورا زاهدا أبيض القلب قد نذر نفسه لله، وترك ملذات الدنيا الزائلة بنذر قاطع لا رجعة فيه، فقد نذر الفقر لكي لا يملك شيئا من حطام الدنيا ونذر العفة ونذر الطاعة لله ولرؤسائه، وكل هذا طمعا منه بهدف اسمى هو فوزه بالسعادة الابدية المعدة للمتقين. وكانت البهائم والطيور المتواجدة في تلك المروج وفي منعطفات الجبال تأتيه أزواجا فتستأنس برؤيته، ويكلمها فتصغي اليه مسرورة مستبشرة بودها التقرب منه، وكانت ترعى في حديقته الصغيرة وبين تلك الروابي المحيطة بصومعته والمكسوة بانواع الحشائش والورود وتبقى هناك حتى غروب الشمس، ولكن الراهب المسكين كان يصرفها عنه ويتركها تذهب لتسكن في مأواها في الغابات المجاورة بعد ان يباركها بعبارات شفافة وكلمات تنم عن رأفة وحنان.

وفي احد الايام عند الاصيل وبينما كانت الوحوش ملتفة حول الراهب المسترسل في حديث شيق عن الحب رفعت فهدة رأسها وقالت للراهب: انت تكلمنا عن الحب، هل لك ان تحدثنا عن رفيقة حياتك اين هي لنفرح برؤيتها وما هي علاقتكما العائلية وما صلة الحب بينكما؟ فاجاب الراهب المسكين: ليس لي رفيقة حياة لأني قد نذرت العفة والفقر والطاعة، وما كانت الوحوش تسمع ما قاله الراهب حتى تهامست فيما بينها قائلة ان الراهب يحدثنا عن الحب وهو لم يذق طعمه، فمن اين يستقي معلوماته هذه؟ فللحال انسل جمعهم بهدوء واحداً تلو الآخر وتركوا الراهب وحيدا بعد أن ألقوا عليه نظرة ازدراء. حولها والمحبة الحقيقية البريئة اذا خاطبتنا نصدقها واذا ضمتنا بجناحيها نطيعها واذا اشارت الينا نتبعها وعلينا ان نركع ونصلي من اجل من أحببنا وأردنا له الحياة السعيدة لأنّ المحبة الروحية صلة وصل بين الله والانسان فهي التي تنقي قلبه من الأدران وتبيض سريرته وتجعلها نقية ناصعة كالثلج من رواسب الدنيا وملذاتها الزائلة وتحرر عقله من القشور وبذلك تقربه من الله الذي هو الغاية الاولى والاخيرة؛ لأنّ الانسان الذي يمتلئ قلبه محبة للانسانية يشبه شجرة مثمرة تغدق ثمارها للناس ولا تذوقها بل تستخلص غذاءها من التربة، وكلما كانت التربة صالحة ونظيفة وخالية من الاملاح وكان الماء الذي يرويها نقيا كانت الثمار يانعة ووفيرة وهكذا الانسان كلما كان المحيط الذي يعيش فيه ذو تربة صالحة كان عطاؤه متميزا ومفيدا، وكلما تلقن دروسا ومواعظ اثرت في تربيته وصقلت مواهبه وخلصته من رواسب المجتمع كان نشاطه ملحوظا وتصرفه ايجابيا نحو مجتمعه، ولا ننسى هنا ان نذكر النشأة الصالحة والحليب الطاهر حنو الام الذي يؤثر تأثيرا مباشرا في سلوكية الشاب منذ الصغر فالمحبة الروحية التي يمتلئ صدر المرء هي حلة قشيبة مزركشة بعطور فواحة وبطعم شهد العسل تعبق منها رائحة تشفي القلوب الظامئة والتواقة الى السماء، هذه الحلة التي يرتديها المرء تقيه من الشوائب والادران وتشفي امراضه الجسدية وتغذي روحه وتزرع في قلبه الخصال الحميدة فينتعش قلبه ويتملئ بلسما معطراً بالحب البريء، فالراهب المتعبد المسكين اتخذ الجانب الروحي من الحب تاركا المحبة الجسدية الدنيوية ليفوز بالسعادة الابدية المعدة للمتقين منذ الازل.

لماذا هذه القسوة على الطبيعة؟

اقبل الربيع بنسيمه المنعش وحرارته المعتدلة واخضرت المروج واينعت اشجار البرتقال والليمون وانسابت المياه في الجداول، بعد ان ذابت الثلوج المتراكمة على سفوح الجبال واكتست الارض حلة سندسية وتفتحت الورود، فما كان من افراد عائلتي الان ان طلبوا مني الخروج وقت الاصيل لنقضي بعض الوقت فوق الروابي المطلة على قريتنا الصغيرة، وفعلا تأهبنا لسفرة قصيرة وما ان وصلنا حتى شاهدنا الازهار الجميلة المنتشرة في المروج تذرف من عيونها قطرات الندى كأنها دموع حارة، فرقَّ قلبي وسألتها لماذا هذا البكاء أيتها الازهار؟ فرفعت احداهن رأسها وقالت: إننا نبكي لأنّ يد الانسان تمتد لتقطع اعناقنا ونباع كالعبيد في الأسواق، ثم اذا ذبلنا مساءً القى بنا في سلة مهملات! ومكثت حائرا ومتأملا بما قالته، وانحدرنا صوب بستان مليء باشجار الزيتون وبعض الاشجار المثمرة فوجدنا اسراباً من الطيور تنشد لحنا شجيا حزينا يحاكي الندب فسألتها: أيتّها الطيور لماذا هذا التغريد الحزين فأقترب مني أحدهم قائلا: سوف يأتي احدكم حاملا آلة تفتك بنا فنحن نودع بعضنا بعضا لأننا لا ندري من منا سيقع في الفخ؟

فوضعت يدي على خدي متأملا بما قاله ثم غادرنا المكان الى سفح جبل قريب وبادرته بالسلام، فاجابني وفي صوته نبرات الحزن والكآبة وقال: يا للعجب ارى يديك خاليتين من آلات التدمير؟ فقلت له: ماذا تقصد وما يختلج في ذهنك؟ فأجاب انتم بني البشر تأكلون ثمار اشجاري ثم تقطعونها إربا إربا للوقود فبقيت افكر بما قاله، ثم تركنا الجبل منحدرين الى ساحل البحر وبادرته بالتحية فأجابني وبصوته نغمة مرة تدل على الاشمئزاز وقال: ياللعجب ارى يديك خاليتين! اين شباكك واين سفينتك التي تقطع الخلجان وتصطاد السمك والحيتان وتخرج من قعري اللؤلؤ والمرجان؟ فوقفت حائرا لا أدري بماذا أجيب! وهنا أدركنا الظلام فقفلنا راجعين الى البيت ولكني بقيت اخاطب نفسي لماذا هذه العلاقة بين الإنسان والطبيعة!؟

ان الباري عزّ وجلّ وهب الإنسان العقل والعلم والحكمة ليستخدم ما موجود في الطبيعة على الوجه الأمثل حفاظا على ديمومة الحياة على وجه الأرض، وانعم على البشر خيرات لا تعد ولا تحصى، وسخر له الفضاء وما به والارض وما تحويه في باطنها وما ينبت على سطحها وما يجري فيها من مياه وبحار ومحيطات وما تحويه من مصدر الغذاء، فعلى الانسان ان يعي ويتفهم حكمة الخالق الذي سخر كل ذلك لخدمة البشر، ولكن مع الأسف ان الإنسان يقسو على الطبيعة فيستخدم مواردها ويقضي على الثروات الموجودة في باطن الارض بدون موازنة الامر الذي قد يخلق في المستقبل نقصا جوهريا في الغذاء والطاقة، هذا الغذاء الذي تزداد الحاجة اليه يوما بعد آخر لزيادة عدد السكان على الكرة الارضية. والمطلوب المحافظة على ما موجود في الطبيعة والامتناع عن استعمال الطرق الجائرة في الصيد والتي وصلت الى القاء المواد الكيماوية في البحار لصيد انواع السمك والحيتان او استعمال الأسلاك الكهربائية الممتدة في الأنهار لتقتل كل سمكة مهما كان نوعها او حجمها عند مرورها من منطقة الصعق الكهربائي. ان استعمال هذه المواد المحرمة وهذه الطرق الجائرة قد تقضي على مصادر الحياة في الوقت الذي يكون الانسان بأمس الحاجة اليها، وعلى المسؤولين في جميع انحاء العالم ان يعيروا الموضوع ما يستحقه من الأهمية حفاظا على البيئة التي هي بحد ذاتها مصدر عيش الجنس البشري وجميع الكائنات الحيّة.

من مجالس القضاء

وصلت الى قاضي التحقيق دعوة من رجل تتمثل به الرجولة والشهامة موجهة ضد احد الاشخاص الذين فقدوا النبل وفقدوا الشرف والاخلاق، وفقدوا الرحمة والشفقة من قلوبهم المليئة بالحقد والضغينة، وفي اليوم الموعود جلس القاضي على كرسي قضائه ووقف عن يمينه رجل من ذوي النفوس المريضة دميم المنظر تتمشى في اديم وجهه غبرة قاتمة من رآها علم أنّ صاحبها من المدمنين على الموبقات والمخدرات ينفثها من فيه صباحا ومساء وغدوا ورواحا، ووقف عن يساره صبية ستة نحيلي الابدان جائعي الأكباد لم يترك لهم الدهر إلا هيكلاً من العظام وعيوناً غائرة تلمع في رؤوسهم، ثيابهم رثة، منظرهم مؤلم، تتحنن العيون عليهم دموعا حارة عند ملاقاتهم، وكان الرجل الشرير قد التقى بهم في القلوب القاسية واذاب الأفئدة والمتحجرة، وبدأ يسألهم واحدا فواحدا ما شأنهم وما خطبهم فكان خلاصة جوابهم ان هذا النمر المفترس اللابس ملابس الإنسان رأى فاقتهم وحاجتهم فثغر مكانها وانحدر منها الى اغلى ما عندهم فقد سلبهم حريتهم وكبل ايديهم واوقعهم في شراكه فكانوا الضروع التي احتلبها حتى استنفذ درتها وكان يتبع معهم اسلوب التجويع والتهديد بعظائم الامور وغياهب السجون، حتى اذا علم انهم كادوا أن يهلكوا طفق يعللهم باللقمة بعد اللقمة والمضغة بعد الاخرى ويرمقهم العيش ترميقا، وذلك بما كان يصل الى يده من المال عن طريقهم، وكانوا يتمردون عليه في كثير من الأحيان ولكن كان يملأ ادمغتهم بدخان المخدرات ليسرق عقولهم ويتركهم لا يدرون ما يفعلون. الازقة والطرقات وهم يتسولون طلبا للقمة العيش، فشهر عليهم خنجره المسموم وتمكن منهم فأوقعهم في شباكه، فقد صور لهم بأنه من مسؤولي الادارة في الدولة ومن ذوي السمعة والجاه وعليهم طاعته وإلا سيكون السجن مأواهم، فمثلوا لأمره صاغرين حيث خصص لكل واحد منهم منطقة يستجدي بها النهار كله منذ بزوغ الفجر وحتى غروب الشمس، وعند المساء يأتون اليه ليقدموا له ما جمعوه من الدراهم من المارة ومن اصحاب المحلات ومن ربات البيوت فيأخذ منها حصة الأسد ويترك لهم النزر القليل ليسدوا به الرمق فقط، اما الثياب فقد حسرها عنهم متعمدا الا ما يستر عورتهم. وأمام هذا المنظر المؤلم والمقزز للابدان اخذ القاضي ينظر الى الصبية نظرات تمازجها الرحمة وتخالطها الشفقة علما ان القضاة لا يرحمون ولا يشفقون لولا أنَّ منظر هؤلاء الصبية قد استهوى والمطلوب من رجل القضاء ان يكونوا ذوي شجاعة واقدام وعزة وشهامة بعيدين عن امراض المجتمع ومن الذين إذا عظم الخطب كانوا من حماة الديار واذا اشتد البأس لا يولون الأدبار فيكون حكمهم عادلا وصارما في مثل هذا الرجل الذي تسربل لباس الإنسان ولكنه ذئب خاطف ووحش مفترس ليكون عبرة لمن اعتبر ومثالا لحديث المجالس ودرسا قاسيا لذوي النفوس الضعيفة وصحوة ضمير لكل من تسول له نفسه المريضة النيل من الطفولة البريئة وما التوفيق إلا من عند الله.

اما القاضي فقد علم وبدراية فائقة ان الجوع قد اخذ منهم امرهم فامر لهم بخبز وقليلا من القتار فازدحموا عليه يتناهبونه ويزدردونه ازدراد الوحش لفريسته، اما ذلك الذئب فقد وقف ينظر اليهم نظرة شزراء كتلك النظرة التي يرمي بها الصائد صيده اذا افلت حباله ثم نظر القاضي وتفرس في محياه ملقيا عليه اسئلة تمكن من انتزاع منه كل ما توجب الادانة فاعترف بما اقترفت يداه بحق الاطفال الابرياء الذي لا ذنب لهم سوى قسوة الدهر عليهم والذين تركهم لقمة دسمة سائغة بيد هذا المجرم، فللحال امر بالقائه في غياهب السجون لينال جزاءه العادل.

وهكذا يُعد القضاء نبراسا يقتدى به في جميع المحافل ومنبرا للوعظ ولسانا يتفوه به الشرفاء وذوي الضمائر الحية لأنه اساس الملك.

المراهقة والشباب

عرض – تحليل وتفسير – مقترحات للعلاج

للشباب منزلة خاصة في قلوبنا وهم فلذة اكبادنا وامانة في اعناقنا والواجب يقضي معاملتهم بالحسنى وعدم ارهاقهم وتحميلهم ما لا طاقة لهم به، ومد يد العون لهم في جميع منافذ الحياة، فهم بحاجة الى الخبرات في الميادين كافة وبحاجة الى من يلبي رغباتهم والى من يمد يده وينتشلهم عند السقوط والى من يرشدهم الى الطريق المستقيم ليسيروا مطمئنين امنين ليتمكنوا من تحقيق رغباتهم؛ لأنّهم يملكون طاقات غير محدودة من ابتكار وابداع وتضحية وعطاء، وشريحة الشباب تعد الرصيد الذي يعتمد عليه في نهضة الامم والمطلوب اختزال الخصائص السلبية التي قد ينجرف وراءها الشباب كالاندفاع والحماس والطيش والتركيز على الخصائص والخصال الابداعية كالابتكار والتضحية والابداع والعطاء وبذلك يؤدي هذا التقويم بالسلوك الى نتائج باهرة ستظهر في حياة تلك المجتمعات في نهضتها المستقبلية حيث ان كل تخطيط للمستقبل يتضمن الطموح المشروع في التقدم والرقي لا يظهر الى الوجود اذا فقد العنصر الرئيسي الذي هو عنصر الشباب؛ لأنه يحتوي على طاقات هائلة كامنة في صدورهم، والمطلوب من المفكرين الذي يعنيهم الامر استخلاص هذه الطاقة كما يستخلص الرحيق من الازهار للحصول على النتائج الايجابية.

تعريف المراهقة:

هي الفترة التي يكسر فيها الفرد شرنقة الطفولة ويدخل معترك الحياة الى العالم الخارجي ليندمج معه ويتفاعل مع شرائح المجتمع الباقية وهذه الفترة تتميز بالتصرفات السلوكية العاصفة والانفعالات الحادة والتوترات العنيفة وتقوم بين السنة 12-21 وتختلف من فرد لآخر وتتأثر بالظروف الاجتماعية التي يعيشها المراهق، وخلال هذه المرحلة تحدث تغيرات كثيرة في الوضع البيولوجي للمراهق منها:

1. تغيرات جسمية وفسيولوجية سريعة تتمثل بالافرازات الهرمونية ترفقها عمليات نضح لبعض اعضاء الجسم، وهذه تؤثر على المراهق وتعصف بإتزانه.

2. الناحية الانفعالية: يعيش المراهق انفعالات عنيفة فتراه يثور لأتفه الاسباب ولا يستطيع التحكم بمظاهره الخارجية او يتعرض لحالات من اليأس والقنوط والاحباط كما تتكون عنده العواطف الشخصية نحو الذات فيعبر عنها بالعناية بالملبس والمظهر وطريقة الكلام.

خصائص المراهقة:

1. المراهقة مرحلة انتقالية/ يتحول من خلالها الفرد من مرحلة الطفولة الى المرحلة الرشد والنضج.

2. المراهقة مرحلة مشكلات/ بسبب تيقظ الفرد بذاته وكيانه وطلبه من الآخرين الاعتراف بشخصيته.

3. المراهقة مرحلة المصير المهني: فالمراهق يبدأ يسأل نفسه هل انا شخص كبير ام لا زالوا يعتبرونني طفلا، متى اتمكن من اخذ موقعي في المجتمع وفي الحياة؟ هل سأنجح ام سأفشل؟ وهذه الامور جميعها تؤثر في سلوكيته الامر الذي يظهر بمظهر الاضطراب والتقلب وعدم الثبات.

4. المراهقة فترة حرجة لأنها تتضمن انواع الصراعات:

أ- صراعات نفسية فهو يسعى الى:

* تحمل المسؤولية.

* الاستقلال.

* الحرية.

5. شخصية المراهقين: تظهر خلال هذه المرحلة نماذج وانماط متعددة من شخصية المراهقين فيظهر الهادئ المستقر والمهمل والمستهزيء والفوضوي والمنطوي والانعزالي وهذا يؤثر على الاباء والمربين والمدرسين ويحدث صراعاً بينهم قد يؤدي الى صراع الاجيال وتنشأ الحواجز والفواصل بين الجيلين الامر الذي يترتب على كل ذلك شعور المراهق بعدم السعادة ويشعر بأنه مثقل بالهموم ومحمل بالمشاكل ولا يوجد من يخفف عنه تلك المشاكل او يساعده على حلها.

ماهو دور المراهقين تجاه المشاكل:

1. بعضهم تخور قواه وتضعف عزيمته ويستسلم للمشاكل.

2. البعض الاخر يهرب وينسحب من الميدان.

3. هناك من المراهقين من يصمد اما المشاكل ويخطط للتغلب عليها.

وهنا سؤال يطرح نفسه: هل ان ازمة المراهقة ناجمة عن عوامل داخلية كامنة في الفرد ام عن عوامل وظروف خارجية تحيط به؟

والجواب/ للعوامل الداخلية دور كبير في الازمة وللعوامل الخارجية المحيطة بالمراهق اسباب مؤثرة في حياته ايضا.

أما أسباب أزمة المراهق:

1. سوء فهم الكبار للمراهقين وسوء تفسيرهم لسلوم المراهق.

2. الاضطراب والصراع بين القيم والعادات والتقاليد والحديثة والقديمة.

3. وسائل الاعلام الناقلة للاخبار الساخنة والمضطربة.

4. الحروب التي تهدد المجتمعات في جميع انحاء العالم.

العلاج:

فهمنا واستيعابنا لوضع المراهق يساعدنا على العلاج.

مساعدة المراهق على بناء ذاته (اجتماعيا – ماديا)

نظرة الاباء الى ابنائهم نظرة صداقة وعلى الاباء الاستئناس بآراء ابنائهم.

التخفيف من النظرة التسلطية في تفكير الآباء تجاه ابنائهم.

الاهتمام بوقت فراغ المراهقين وملئه بما هو مفيد ونافع لان وقت الفراغ افساد وهدم.

مساهمتهم بتحمل المسؤولية ليشعروا بانهم رجال المستقبل والاعتراف بشخصيتهم وغرس المبادئ الانسانية في تفكيرهم وتعليمهم الخصال الحميدة لينشاؤا نشأة فاضلة تجنبهم الانزلاق في هاوية الرذيلة وتصونهم من كل ما يسيء اليهم من الناحية الاجتماعية والاخلاقية وصولا الى شاطيء الامان والسلام.

الحب اقوى من الموت

كانت قطر الندى قد تعلق قلبها بقلب شاب وسيم المحيا مرموق الجاه، وكان الحبيبان يعيشان في جو هاديء مقرون بالثقة والامانة والامل، وكانا يلتقيان كل يوم ويتجاذبان اطراف الحديث وعبارات الود والمحبة وقلباهما مليئان بنشوة الفرح والسرور يتطلعان للمستقبل وعيونهما متجهة ترنو الى اليوم الذي يرتبطان به بميثاق الزواج، وكان قلباهما يزدادان شوقا ولهفةً ويتهللان فرحا يوم بعد آخر من حرارة الحب. وكانت قطر الندى تتصف بجمال جذاب وعيون شبيهة بعيون المها وبقدًّ رشيق ووجنات تقطر عطرا وبلسما وخال جالس على الخد الايمن زادها حسنا وجمالا، اما حبيبها فقد بلغ العشرين سنة من العمر ولا يزال طالباً جامعياً في مرحلته الاخيرة، اما صلة العائلتين فكانت صلة وثيقة يسودها الاخاء والتفاهم الى ان مدت يد خبيثة ذراعها لتعكر صفو المياه، حيث ان الاشرار المليئة قلوبهم حقدا وحسدا وكمدا لا تترك الامور تأخذ مجراها الا وتلقي فيها سّماً قتالاً وتبذر فيها بذارا يفسد تلك الخميرة. وهذا ما حدث فعلا للحبيبين حيث ان احدى صديقات قطر الندى وبقلب مفعم بالحقد والضغينة والغيرة وبتخطيط خبيث اوغلت صدر الصبية نحو حبيبها قائلة: ان حبيبك يتظاهر بعلاقة صميمية معك ولكنه على علاقة وثيقة بي وسوف تتم خطوبتنا بعد ايام، وما انفكت تلقنها امورا كانت سببا للفرقة بين الحبيبين فقد تمكنت من انتزاع ما في قلبها من العلاقة والمودة التي كانت تكنها لحبيبها، وصدقت المسكينة ما قالته الحية الرقطاء والتي استغلت سذاجة وبراءة قطر الندى، ومهما حاول الشاب ان يقنعها بان ما ذهبت اليه صديقتها محضر افتراء ولا اساس له من الصحة وان التي قامت بهذا العمل قد يكون لها مآرب و غايات شخصية ولكن محاولاته باءت بالفشل، وهنا استغل احد الاثرياء هذا الموقف وتقدم لخطوبة قطر الندى من اهلها حيث اغراهم بالمال والذهب، وتحت ضغط اهلها الذي كانوا بحاجة ماسة الى المال وافقت على الزواج ولم تمض الا ايام معدودة حتى جهز منزل العريس بكل ما تتطلبه مراسيم الزواج واخذت العروس الى السوق لتشتري ما يليق بها من حلي ومجوهرات وملابس، وفي يوم موعود عقد قرانها وسط اهازيج الصبايا واناشيد الفتيان الذين اخذوا ينشدون ويرنمون اغاني البهجة والفرح حتى بلغ الموكب منزل العريس فاعتلى العروسان مقعدا مرتفعا وجلس المدعوون على الارايك و غصت القاعة الواسعة بالعوائل المدعوة للمشاركة في حفلة العرس، اما قطر الندى فقد عاد اليها رشدها وشعرت بغلطتها مع حبيبها فاخذت ترهق اعصابها ويقشعر بدنها خجلا واشمئزازا واضطرمت بداخلها رغبة شديدة للتخلص من هذا الموقف المحرج الذي وقعت فيه ومن الشرك الذي اصطادها، ومن هذا القران الغير المتجانس وشعرت باحباط على ما بدر منها، ولكن لات ساعة مندم، فالعريس لا يناسبها حيث قد بلغ الاربعين من عمره وكان قد ظفر بخطوبتها بعد ان اغرى اهلها بكمية كبيرة من المال واغدق على العروسة ذهبا توشحت به يداها وحلي التفت حول رقبتها وقلائد من اللؤلؤ والمرجان تحلى بها جيدها ولكن كل ذلك لم يثنها عن عزمها ولم يقف حائلا أمام قرارها ورغبتها الجامحة التي اجبرتها على ان تخطط بسرعة لتفشل هذا الزواج الذي اجبرت عليه قسرا والذي جاء وليدا لتصرفها الخاطئ مع حبيبها.

اما في القاعة حيث اجتمع المدعوون فقد سعى الخدم لتهيئة مستلزمات الحفل من مأكل ومشرب، ثم جاءت الفرقة الموسيقية وبدأ العزف وبدأت كؤوس الخمر ترن والصبايا يرقصن ويتمايلن ونسمات الهواء تختلج بطيات اثوابهن الناعمة فشخصت اليهن الابصار وعلت الاصوات وسادت الحرية وتوارت الرزانة والتهبت النفوس واضطربت القلوب واصبحت تلك القاعة قيثاراً بيد شاب مراهق، فههنا فتى يبوح بسره لفتاة وهناك شباب يستعد لمحادثة حسناء جالسة بقربه بأعذب الالفاظ وارق العبارات الشفافة، وهناك كهل يطلب عزف اغنية تعيد اليه ذكريات المراهقة وهناك امرأة جالسة بزاوية تراقب الصبايا لتختار واحدة منهم لابنها الوحيد، وكل ذلك يجري والعروس الجميلة تنظر بعينين كئيبتين الى فتى جالس لوحده. وقد وضع يديه على خديه كأنه طير جريح قد فقد سربه.

وما ان انتصف الليل وفعلت الخمرة فعلها وتعاظمت غبطة المدعوين واختمرت ادمغتهم وتلعثمت السنتهم حتى استغلت العروس الموقف فأومأت الى صبية ان تقترب منها وتجلس بجانبها وبعد التفاتة يمينا وشمالا همست في اذنها هذه الكلمات وبصوت مرتعش: استحلفك بكل ما هو عزيز لديك في هذه الحياة وبالحب الذي يلامس ارواحنا ويطغى على مشاعرنا ويجعلها شعاعا، ان تذهبي الى الفتى الجالس في تلك الزاوية وتطلبي منه ان ينزل خفية الى الحديقة المجاورة للقاعة وينتظرني هناك تحت الشجرة وقولي له العروس تريد ان تفتح قلبها امامك قبل ان يكتنفها الظلام وتريد رؤية نور عينيك قبل ان تختطفها الذئاب وانها تعترف بذنبها وتقصيرها وتلتمس عفوك. اسرعي ولا تخافي؛ لا الخمور قد سدت اذان الجمع وغشت على بصائرهم ونفذت الصبية أمر العروس وذهبت مسرعة الى الفتى الذي كان حبيبا للعروس قبل ايام وهمست باذنه ما لقنتها العروسة فللحال قام الشاب خفية وجلس تحت الشجرة ولم تمض الا دقائق حتى تبعته العروس ولما رأت نفسها بجانبه طوقت عنقه بزنديها وحدقت ملياً بعينيه وقالت بصوت خافت نابع من قلب تذوق طعم الحب الممزوج بمرارة الفراق، اسمعني يا حبيبي قد ندمت على ما بدر مني انا احبك وسـوف احبك الـى منتهى العمر.

لقد سمموا قلبي واخبروني بانك هجرتني ومزقوا صدري باظافيرهم وبكذبهم وقد اخبرتني اخت العريس بانك سلوتني وشغفت بحبها والان قد عرفت الحقيقة فجئت اليك لتعفو عني ولكي اضمك بذراعي ولا توجد قوة ترجعني الى الذي زففت اليه كرها وقسرا، تعال يا من ملكت قلبي نركب السفينة ونرحل الى بلاد مجهولة واليك هذه المجوهرات والحلي الذهبية خذها ولتكن كنزا وثروة نعيش بها، ثم استطردت قائلة: لماذا لا تقبلني ألا تسمع صراح قلبي؟ الا تصدق ما اقوله اما الشاب فكان يسمع وفي داخله صراع بين الحب والشرف، ذلك الحب الذي يجعل الظلام نوراً والحزن فرحاً، وبعد هنيهة رفع الشاب رأسه وقد تغلب شرفه على ميوله ونزعاته وقال بصوت ملؤه الرقة والرأفة: ارجعي ايتها الحسناء الى عريسك الجديد فقد قضي الامر قبل ان تراك عيون الرقباء فيقول الناس فيك قد خانت عريسها في ليلة زفافها مثلما تركت حبيبها قبل ايام فارتعشت الصبية عند سماعها هذا الكلام كزهرة ذابلة أمام الريح وقالت قد تركت هذا المنزل ولن ارجع اليه قط فلا تبعدني عنك لأن يد الحب التي مزجت روحي بروحك هي اقوى من اليد التي اسلمت جسدي للعريس، ها قد طوقت عنقك بذراعي وقربت نفسي الى نفسك فلن يفرقنا الا الموت.

حينئذ حاول الشاب التخلص منها فقال: ابتعـدي عنـي فقـد

سلوتك وتعلقت بهوى غيرك، ابتعدي عني ودعيني وسبيلي وعودي الى عريسك الجديد، فقالت الصبية: لا أصدق كلامك لانه نابع من شفتيك وليس من قلبك، فأنت تحبني مثلما احبك فسر امامي وارفع يدك واهرق دمي فقال الشاب:

اتركيني والا جمعت المدعوين حولك وجعلتك مضغة في احناكهم، ثم امسك بقوة بذراعها وابعدها عنه. فللحال تغيرت ملامحها واحمرت خدودها وابرقت عيناها وتحولت الى الغضب والقساوة وصارت كلبوة فقدت اشبالها وكبحر هائج الامواج ثم صرخت: من هي التي ستتمتع بحبك بعدي واي قلب يسكر بقبلِ شفتيك غير قلبي؟ لفظت هذه العبارات وانتشلت مدية مخفية بين اثوابها واغمدتها بصدره بسرعة البرق فهوى على الارض كغصن قصفته الرياح فانحنت فوقه والمدية تلمع بيدها تقطر دما، ففتح عينيه وارتعشت شفتاه وخرجت هذه الكلمات مع انفاسه الضعيفة: اقتربي مني يا حبيبتي ولاتتركيني فالحياة اضعف من الموت والموت اضعف من نار الحب، قَّبلي شفتَّي اللتين اخفتا اسرار قلبي واغمضي اجفاني الذابلة باصابعك الملطخة بدمي وعندما تطير روحي في الفضاء ضعي المدية في يميني وقولي للمدعوين قد انتحر يأسا وحسدا، فقد احببتك ولكني رأيت ان اضحي بقلبي وبسعادتي وبحياتي افضل من الهرب بك في ليلة عرسك، قبليني يا حبيبتي قبل ان يرى الناس جثتي، ووضع يده فوق قلبه المطعون ولوى عنقه وفاضت روحه. وللحال رفعت العروس رأسها والتفتت نحو المدعوين وصرخت بصوت عال: تعالوا هنا العرس وهذا هو العريس، استيقظوا ايها النيام وانتبهوا ايها السكارى واسرعوا وشاهدوا اسرار الحب.

ودوى صراخها في الفضاء وارتعشت ارواح المدعوين وطارت النشوة من رؤوسهم، وتراكضوا مسرعين ليروا الجثة التي ارديت مصروعة والعروس جاثية بقربها ولا احد يجسر على استقصاء الخبر، وكان منظر الدماء من صدر القتيل ولمعان المدية في يد العروس قد عقد السنة المدعوين واجمد الحياة في اجسادهم، فالتفتت العروس اليهم وصرخت قائلة اقتربوا ولا تخافوا خيال الموت ولا ترتجفوا جزعا من هذه المدية، فهي آلة لا تلامس اجسادكم وصدوركم المظلمة انظروا هذا الفتى الوسيم المتسربل حلة العرس هو حبيبي وقد قتلته لأنه حبيبي، هو عريسي وانا عروسته وقد بحثنا عن مكان يليق بعناقنا فلم نجد ففضلنا الذهاب الى سماء الخلد واستطردت قائلة: ان ما حدث كان سببه فتاة خبيثة حسودة باعت ضميرها للشيطان، وقد توهمت انها بفعلها هذا ستظفر به ولكن خاب ظنها وساء فعلها، وسوف تكون هذه الحادثة اغنية يتغني بها ابناؤكم ودرسا بليغا لهذا المجتمع الذي ترك قيم السماء وانجرف وراء التقاليد البالية واخذ يعبد المادة، والتفتت الى الرجل الذي استخدم المال والحيلة ليتخذها زوجة له قائلة، اردت ان تخرج كالماء من الصخرة والنور من الظلمة ولكن هيهات ان تبلغ مرادك، حينئذ رفعت العروس المدية واغمدتها بعزم وقوة في صدرها وهبطت بجانب حبيبها، فصرخت النساء صراخ الخوف والألم واغمي على بعضهن. وتصاعدت صيحات الرجال واقتربوا من القتيلين بوجل ورهبة!.

فنظرت اليهم العروس التي كانت الدماء تسيل من صدرها بغزارة وقالت: لا تقتربوا ولا تفصلوا جسدينا دعوني ارتشف رحيق شفتي حبيبي، واخرجت بضع كلمات متقطعة من فمها ولفظت انفاسها بعد ان القت صدرها على صدر حبيبها وامتزجت دماؤهما سوية، وظلت عيناها محدقتين الى عينيه وبقي الناس واجمين صامتين وقد اصفرت وجوههم وتراخت ركبهم كأن رهبة الموت قد سلبتهم القوة والحراك.

وما كان من تلك الصبية التي بعثتها العروس رسولا الى حبيبها الا ان وقفت اما المدعوين لتقول لهم وبشجاعة: انا ابقى هنا احرس الجثـتين حتى مطلع الفجر وانا احفر لهما قبرا واحدا تحت هذه الأغصان المتدلية من الشجرة وما عليكم الا ان تتركوا القاعة وتسرعوا الى مضاجعكم المظلمة لأن اصوات أناشيد الملائكة ترفرف فوق شهيدي الحب ولن تدخل آذانكم المسدودة برائحة الخمر، فتفرق الناس كلٌّ الى منزله وقد اخذتهم الحيرة والخجل للمأساة التي لم يسبق لها مثيل، ولما توارى الجمع وخلا ذلك المكان استسلمت الصبية للبكاء والنحيب على من كان الحب عندهما اقوى من الموت.

بعض الخصائص النفسية للشباب

عرض وتحليل

ان شباب اليوم هم قادة المستقبل فسوف يكون منهم العلماء والقضاة والمدرسين والعمال الفنيين والمزارعين والحرفيين وغير ذلك، وكل منهم يمكن ان يؤثر في محيطه. واذا كان لفئة الشباب اهمية بالغة في البلاد المتقدمة فان اهميتها تزداد في البلدان النامية لاعتبارات عدة من بينها رغبة هذه الدول ان تعوض بسرعة ما فاتها من تقدم في السنين الماضية وتجدر الاشارة الى ان هذه الاهمية لا تقتصر على المجتمع بل تتعداه الى الفرد نفسه الذي يمر بهذه المرحلة حيث انها من اهم مراحل النمو الانساني واخطرها لأن الفرد يحقق خلالها نضجه ويكون فيها ميوله واتجاهاته في الحياة ويصبح مستعدا لتحمل مسؤوليات الرجولة مستقبلا.

فإذا احسنا التعامل معهم نكون قد وضعناهم على الطريق الصحيح وساعدناهم على تحقيق النضج المطلوب و إلا ستكون النتيجة عكسية.

الشباب طاقة بشرية ثمينة ورصيد حقيقي:

يعد الشباب الرصيد الحقيقي والخزين الثمين من القوى الانسانية والطاقات البشرية وهو العنصر الاكثر اهمية في التخطيط للمستقبل وتحقيق الطموح المشروع في التقدم والرقي. فمرحلة الشباب مرحلة هامة ومتألقة في حياة الانسان تتسم بخصائص ومزايا معينة تختلف شكلا ومضمونا عما عهده المرء في المراحل السابقة اذ يبدأ الشاب يظهر قدرا متزايدا من النضج في معالم شخصيته على مستوى العاطفة والسلوك والعقل، وبقدر ما نسمع من اوصاف عن الشباب كالعنفوان والاندفاع والحماس يقابل ذلك في الطرف الآخر خصائص اخرى كالابداع والابتكار والعطاء والتضحية وبذلك تمتزج في هذه المرحلة عناصر من الضعف والقوة والجهل والمعرفة والمرونة والتصلب.

ان مرحلة الشباب كإحدى مراحل النمو الانساني هي مرحلة تكوينية هامة لها خصوصيتها التي تميزها عن مراحل النمو الاخرى (الطفولة – الرشد – النضج – الكهولة – الشيخوخة) فللشباب ثقافتهم الخاصة (عاداتهم – تقاليدهم – اتجاهاتهم – اراؤهم – قيمهم – تصرفاتهم) التي يختلفون بها عن الشرائح الاجتماعية الاخرى. وقد تشترك ثقافة الشباب مع ثقافة الكبار في جوانب وتختلف عنها في جوانب اخرى وعموما فالكتابات عن الشباب تصور ثقافتهم بانها اسلوب حياة مستقل عن عالم الكبار اذ يغلب على اسلوب حياتهم روح التجديد والثورة والحماس وتطلق بعض الكتابات عن ثقافة الشباب الثقافة المضادة او الثقافة المعادية او الرافضة. ان الحديث عن الثقافة الخاصة بالشباب واختلافها عن ثقافة الكبار يجرنا الى الحديث عن صراع الشباب مع القديم او ما يسمى بصراع الاجيال ان هذا الصراع يمكن ان يؤدي الى حدوث ازمة ثقة بين الطرفين ويباعد بينهما، تختلف حدته ودرجته من مجتمع لاخر باختلاف مستوى وعي الكبار بثقافة الشباب وقيمهم وما يسود هذه الثقافة من قيم ومعايير ونظرة الى الحياة والى المستقبل.

وقد انكب الباحثون الميدانيون في علم الاجتماع والتربية وعلم النفس على تقصي اسباب ازمة العلاقة بين الجيلين وتوصلوا الى اسباب:

أولاً: ان الأبناء يظلون فترة طويلة في رعاية اسرهم نظرا لعدم قدرتهم على الاستقلال المادي وكذلك بقاء الابناء مدة طويلة على مقاعد الدراسة وبذلك يكون الشباب طاقة مستهلكة اقتصاديا.

ثانياً: عدم وضوح المستقبل المهني للشباب على الرغم مما يبذلونه من جهود واستعداد التحصيل بسبب قلة فرص العمل التي تتناسب مع امكاناتهم وطموحاتهم، حيث ان اختيار المهنة والنجاح فيها والاستقرار يعتبر ضمانة مهمة للمستقبل وهي من الحاجات الاساسية التي تحرك وتثير طاقاتهم.

حاجات الشباب:

حينما نتحدث عن حاجات الشباب نقصد بها في المفهوم النفسي (تلك الحالات الجسمية التي تجعل الفرد يحس بفقدان شيء معين) وان هذا الشيء ضروري ومفيد للتوازن الجسمي والنفسي.

فمن الناحية الجسمية يشعر الفرد بالحاجة الى الطعام حينما يكون جائعا وبالحاجة الى الراحة الجسمية حينما يكون متعبا وبالحاجة الى العناية الطبية حينما يكون مريضا.

أما من الناحية النفسية:

يشعر بالحاجة الى الامن حينما يكون مهددا في حياته وعيشه.

يشعر بالحاجة الى الرفقة والصداقة والصحبة حينما يجد نفسه وحيدا.

يشعر بالحاجة الى التقدير حينما يجد نفسه مهضوم الحق غير مقدر.

يشعر بالحاجة الى النجاح حينما يجد نفسه فاشلا في دراسته او حياته الاجتماعية.

ان حالات الشباب ليست مجرد حالات نفسية يشعر بها الفرد فحسب بل هي في الوقت نفسه دوافع ومحركات للسلوك بمعنى انها قوة دافعة للفرد تحمله على العمل والنشاط وبذل الجهد لأشباعها.

وعلى سبيل المثال:

حاجة الشباب الى الاستقلال الاقتصادي تدفعهم الى البحث عن عمل مناسب.

حاجة الشباب الى المكانة الاجتماعية تدفعهم الى الظهور بالمظهر اللائق في تصرفاتهم وملبسهم.

حاجة الشباب الى النجاح تدفعهم الى بذل المزيد من الجهد في الدراسة.

يقسم المعنيون هذه الحاجات الى قسمين:

حاجات فسيولوجية – عضوية (الطعام – الشراب – الحركة – النوم – الحالة الجنسية)

حاجات نفسية – تتصل بتنظيم الفرد النفسي، وبإشباعها تتكامل شخصيته ويتوازن نفسيا (الامن – الانتماء – الثقة بالنفس – الاستقلال).

هذا التقسيم قد يكون مهما من الناحية النظرية الا انه ليس مهما من الناحية العملية والواقعية، وقد يكون من المفيد ان نشير الى بعض الحاجات التي تنطبق على الشباب:

الحاجة الى تكوين جسم صحيح ولياقة جسمية جيدة.

الحاجة الى تحقيق الاتزان لأن الهدوء زينة الانسان.

الحاجة الى قبول التغيرات الجسمية الفسيولوجية التي تطرأ على الشباب في المرحلة الشبابية الاولى.

الحاجة الى تحقيق استقلال عن الأسرة.

الحاجة الى تكوين صداقات وعلاقات اجتماعية ناجحة.

الحاجة الى قبـول الدور الذي ينتظر الشاب كرجـل

وزوج ورب اسرة والى الشابة كأمراة وزوجة وربة بيت.

الحاجة الى تكوين وبناء إيمان رصين يحقق له الأمان ويوجهه للالتزام بالمباديء والقيم الخلقية.

الحاجة الى فهم النفس وما لها من قدرات واستعدادات ومواهب عقلية وفنية واجتماعية لاستثمارها لخير المجتمع.

هذا ويجب ان لا ننسى دور الدين في حياة الشباب؛ لأن الدين يقرب بين الأباء وأبنائهم. فالدين يشكل رافدا مهما من روافد السلوك إذ يذهب احد علماء النفس الى القول "الأمان في الإيمان"

بمعنى ان الشاب الذي يحمل الايمان ويسلك بحسب الايمان يعيش حالة أمان واستقرار واطمئنان، ويوفر الايمان حماية للشباب من سيول التيارات الاخرى الجارفة، وختاما فان الحديث عن الخصائص النفسية للشباب يعني الحديث عن الحياة بكاملها لشريحة اجتماعية مهمة لذلك اخترنا بعض الخصائص التي لها أولوية ضمن معطيات العصر الحاضر لأنّ استيعاب الشباب لهذه الخصائص يساعدهم على اجتيازها وتجنب كافة المزالق والسلبيات في حياتهم وختاما نتمنى للشباب حياة ملؤها البهجة والفرحة والتقدم ونيل المآرب التي يتوقون اليها وما التوفيق الا من عند الله سبحانه وتعالى.

حكم من أعماق بلاد السند

قالت الحكماء والعلماء: أربعة لا ينبغي ان تكون في الرجل:

الغضب / إنه أجدر الاشياء بصاحبه مقتا

البخل/ لا يعذر صاحبه

الكذب/ ليس لأحد ان يجاوره

العنف/ في المحاورة

العقل كامن في الإنسان لا يظهر حتى يظهره الأدب وتعضده التجارب.

من لم يركب الاهوال لم ينل الرغائب.

طالب الحاجة عليه بالحنكة والسياسة والعفة والنزاهة.

لا تثق بصديق الا اذا انست به وسبرت عقله واطمأنت اليه في سره.

من شيم الرجال: الرصانة، الادب ، كتمان السر والصبر في طلب العلم.

منح الله تعالى الانسان: عقلا نيرا وعلما راجحا وخلقا رحبا وجسدا سالما من العاهات.

ان العلم كالشجرة والعمل به كالثمرة.

اذا سقط رجل اعمى ورجل بصير في حفرة فالبصير اقل عذرا عند الناس من الاعمى.

الرجل الصالح يكون حازما ويحب للناس ما يحب لنفسه ولا يلتمس صلاح نفسه بفساده غيره.

المكر والخديعة لا يؤديان الى خير صاحبهما اما وبال البغي فيعود الى صاحبه عاجلا أم آجلا.

شعر الرأس يخدمه ويكرمه صاحبه ما دام على رأسه فاذا فارق رأسه رفضه واستقذره.

جالس الاخيار وزايل الاشرار وصن لسانك عن الكذب والبهتان والخيبة والنميمة، واضمر في نفسك ان لا تبغي على احد.

المال الحلال: لا خوف عليه من السلطان ان يغصبه ولا من الماء ان يغرقه ولا من النار ان تحرقه ولا من اللصوص ان تسرقه ولا من السباع وجوارح الطير ان تمزقه.

النسك يمهد للاخرة كما يمهد الوالد لاولاده.

الناسك تدبر فعلته بالسكينة والوقار فشكر الرب وتواضع وقنع فاستغنى ورضي وخلع الدنيا فنجا من الشرور ورفض الشهوات فصار طاهرا ورفض الجسد فوجبت له المحبة وسخت نفسه بكل شيء واستعمل العقل فأبصر العافية وامن الندامة واعتزل الناس فسلم منهم ومن شرورهم وكيدهم.

ملذات الدنيا وشهواتها متحول الى الاذى ومولد للحزن،

فالدنيا كالماء المالح الذي يزاد شاربه عطشا كلما زاد شربا.

خصال الرجل الحازم والقائد الشهم: عظيم المقدرة، رفيع الهمة، بليغ الفحص، عادل، يرجى في النائبات، صدوق، شكور، رحب صدر، طويل الذراع، مواظب على الحسنى، عالم وبصير بأمور الناس، مهتم برعيته وناظر الى احوالهم، محب للعلم ومكرم الاخيار والعلماء، شديد على الظلمة، قوي الارادة، يتوسع على رعيته فيما يحبون ويدفع عنهم ما يكرهون.

الزمان قد تبدل: امور الصدق قد نزعت من الناس فأصبح ما كان عزيزا فقده مفقود وما كان ضائرا وجوده موجوداً، وكأن الخير اصبح ذابلا والشر ناضرا وكأن الفهم اصبح وقد زالت سبله. وكأن الحق ولى كسيرا وكأن الاخيار يريدون المكوث في باطن الارض واصبحت المروءة مقذوفا بها الى الاسفل واصحبت الدناءة مكرمة وكأن الدنيا جذلة مسرورة وتقول قد اخفيت الخيرات واظهرت السيئات.

صاحب الدنيا يطلب ثلاثة:

أ . السعة في الرزق.

ب. المنزلة بين الناس.

ج. الزادة للآخرة.

أما ما يحتاجه في درك هذه الثلاثة:

كسب المال الحلال.

حسن التصرف بالمال المكتسب.

استثماره على الوجه الامثل.

انفاقه فيما يصح فقط.

ثلاثة لا يجتريء عليهن الا اهوج و لا يسلم منهن الا قليل:

صحبة الاشرار

ائتمان النساء على الاسرار

شرب السم للتجربة

من كتم السلطان نصيحته والاخوان رأيه فقد خان نفسه.

خير الاخوان والاعوان اقلهم مداهنة في النصيحة وخير الاعمال احمدها عاقبة وخير النساء الموافقة لبعلها وخير الثناء ما كان على افواه الاخيار وخير الاخلاق اعونها على الورع والتقوى.

الضرس المنخور لا يزال صاحبه منه في الم واذى حتى يفارقه والطعام الذي عفن في البطن الراحة في قذفه والعدو المخيف دواؤه قتله.

صحبة الاشرار ربما أورثت صاحبها سوء الظن بالأخيار.

من العجب ان يطلب الرجل رضى صاحبه واعجب من ذلك ان يلتمس رضاه فيسخط!

لا تجرب السيف على الحجر الصلب ولا تحـاول صنع

قوس من عود لا ينحني.

لا تلقي حجر في بئر ارتويت منها.

قالت الحكماء: ان المحتال يموت قبل اجله.

وقالت الحكماء: لا تجزع من العذاب اذا وقعت منك الخطيئة ولا تعذب في الدنيا بجرمك خير من ان تعذب في الآخرة.

القاضي العادل ينبغي له ان يعرف عمل المحسن وعمل المسيء ليجازي المحسن بأحسانه والسي باساءته فبذلك يزداد المحسنون حرصا على الاحسان والمسيئون اجتنابا للذنوب.

الخداع والمكر ليسا من اعمال صالحي القضاة ولا ثقات الولاة.

من اراد منفعة نفسه بضرر غيره خديعة ومكرا سيجزى على خديعته ومكره عاجلا ام آجلا.

الاخوان الحقيقيون الصادقون هم الاعوان على الخير كله والمواسون عند النائبات والشدائد.

مهما اطيل تسخين الماء لا يمنعه من اطفاء النار اذا صب عليها.

العقلاء الكرام لا يبتغون على معروف جزاء والمودة بين الصالحين سريع اتصالها بطيء انقطاعها.

الكريم يود الكريم واللئيم لا يود احدا الا عن رغبة او رهبة.

يتعاطى اهل الدنيا بينهم امرين ويتواصلون عليهما وهما:

ذات النفس

ذات اليد

فالمتبادلون ذات النفس هم الاصفياء والاتقياء واما المتبادلون ذات اليد منهم المتعاونون الذين يلتمس بعضهم الانتفاع ببعض.

من لا مال له اذا اراد امرا قعد به العدم عما يريده، لان الرجل اذا افتقر قطعه اقاربه واخواته واتهمه من كان له مؤتمنا وأساء به الظن من كان يظن به حسنا.

من لا اخوان له
لا اهل له
ومن لا ولد له
لا ذكر له

ليس من خلة (خصلة) هي للغني مدح الا وهي الفقير ذم فان كان الفقير شجاعا قيل اهوج وان كان جوادا سمي مبذرا وان كان حليما سمي ضعيفا وان كان وقورا سمي بليدا.

قالت الحكماء: لا عقل كالتدبير و لا ورع ككف الاذى عن الناس ولا حسب كحسن الخلق و لا غنى كالرضى والقناعة، وان افضل البر الرحمة والشفقة والعطف والحنان اما الخرس فخير من اللسان الكذوب والضر، الفقر خير من النعمة والسعة من اموال الناس.

لا عيش مع فراق الاحبة واذا فارق الاليف اليفه فقد سلب فؤاده وحرم سروره وغشي على بصره.

انما يختبر الناس عند الشدة والبلاء وذو الامانة عند الاخذ والعطاء والاهل والولد عند الفاقة والاخوان عند النوائب.

يقال في الامثال قارب عدوك بعض المقاربة لتنال حاجتك ولا تقاربه كل المقاربة فيجزي عليك ويضعف جندك وتذل نفسك.

القائد يزداد برأي مرافقيه بصيرة كما يزداد النهر بروافده.

ان الرسول برأيه وعقله ولينه وفضله وحلمه وهو الذي يلين الصدور اذا رفق ويخشنها اذا خرق.

لكل حريق مطفئ: فللنار الماء وللسم الدواء وللحزن الصبر وللعشق الفرقة ونار الحقد لا تخبو ابدا.

اربعة اشياء لا تستهن قليلها. النار والمرض والعدو والدين.

اذا طلب اثنان امرا ظفر به افضلهما مروءة، فان اعتدلا في المروءة فأشدهما عزما، وان استويا في العزم فاسعدهما جدا.

رب صداقة ظاهرة باطنها عداوة كامنة.

خمس خصال من تزودهن كفينة في كل وجه وانسنه في كل غربة وقربن له البعيد واكسبنه المعاش والاخوان.

كف الاذى عن الناس.

حسن الادب.

مجانبة الريب.

كرم الخلق.

النبل والاخلاص في العمل.

شر الازواج التي لا تواتي بعلها، وشر الولد العاصي العاق والديه، وشر الاخوان الخاذل لأخيه عند النكبات والشدائد وشر البلاد بلاد لا خصب فيها ولا ماء.

الملك لا يستطاع ضبطه الا مع ذوي العلم والرأي وهم الوزراء والاعوان ولا ينتفع بالعلماء والوزراء والاعوان الا بالمودة والنصيحة ولا مودة ولا نصيحة الا لذوي الرأي والعقل

ان الاثام ليست من قبل الاماكن والاصحاب ولكنها من قبل القلوب والاعمال.

قيل ان المرأة بزوجها والولد بوالديه والمتعلم بالعلم والجند بالقائد والناسك بالدين والتقوى بالفعل والعقل بالتثبيت والاناة وراس الكل الحزم وراس الحزم معرفة الاصحاب والغور الى صدورهم وكشف نواياهم للوقوف على حقيقتهم اذا كانوا صادقين.

الحداة اذا كانت في رجلها قطعة لحم اجتمع عليها سائر الطير والكلب واذا كان معه عظم اجتمعت عليه الكلاب.

الذي ينبغي تركه والذي تخشى مصاحبته:

من عرف بالشراسة ولؤم العهد وقلة الشكر والوفاء والبعد عن الرحمة والورع.

أمن المصائب من فكر بالعواقب.

ما لا ترضاه لنفسك لا تصنعه لغيرك فأن في ذلك العدل وفي العدل رضا الله تعالى ورضا الناس.

ان حق ما يحفظ به الملك ملكه الحلم لانه رأس الامور وملاكها واجودها.

عظيم الذنب لا يقنط من الرحمة.

العاقل لا يعجب في العذاب والعقوبة.

اثنان ينبغي لهما ان يحزنا: الذي يعمل الاثم كل يوم والذي لا يعمل خيرا قط. واثنان ينبغي لهما ان لا يحزنا: المجتهد في عمل البر كل يوم والذي لم يأثم قط.

اثنان لا ينظران:

الاعمى

الذي لا عقل له

اثنان هما الفرحان: البصير والعلم

اثنان ينبغي ان الابتعاد عنهما:

الذي يقول لا بر ولا اثم ولا عقاب ولا ثواب والذي لا يصرف بصره عن المحرم ولا اذنه عن استماع السوء ولا نفسه عن خاصة غيره ولا قلبه عما تهم به نفسه من الاثم والحرص.

ثلاثة اشياء اصفار:

النهر الذي ليس فيه ماء

الارض التي ليس بها خصب

المرأة التي ليس لها بعل

الرجل الرصين المهذب خصاله اربع:

واسع الحلم وفي العهد.

كريم الطبع والجوهر

رؤوف المعشر

سليم السيرة رقيق القلب.

ان عقل الرجل يتضح بخصال:

الرفق والرحمة

الطاعة

اديب اللسان

كاتم السر

أمين

عفيف

متواضع

لا يتكلم في المحافل ما لا يسأل عنه ولا يأمن نتائجه.

حبا الله الانسان ففضله على جميع مخلوقاته وميزه عنهم بالصفات:

النطق

العقل

الحكمة

العفة

العدل

اللـغــة والكــلام
داخلة في باب النطـق
الحلم والصبر والوقـا
داخلة في باب العقـل
العلم والادب والرؤيـة
داخلة في باب الحكمة
الحياء والكرم والصيانة
داخلة في باب العفـة

الصدق والاحسان وحسن الخلق داخله في باب العدل فالحكمة كنز لا ينفى بالانفاق وذخيرة لا يضرب لها بالإملاق وحلة لا تخلف جدتها ولذة لا تصرم مدتها.

قالت الحكماء: الزم السكون فان فيه السلامة وتجنب الكلام فأن عابته الندامة.

قالت الحكماء: ان الذي يسكن الرجل اما هيبة تساوره او حيرة تدركه.

على المرء ان تفزعه النوائب وتؤدبه التجارب.

من دخل على الاسد في غابته لا يأمن وثبته.

ما ينال المرء من كرامة: اما لرأيه السديد او لمروءته او لقله وحكمته ولحسن اخلاقه او لصفاء سريرته او بذله وتضحيته او لكرمه وسخائه او لأمانته او لشجاعته او لنصرة المظلوم.

قلم اظافرك بحدود قد تحتاجها يوما لحك ظهرك

فارة صغيرة تنقذ اسدا اسيرا.

قال ذئب مضياف لحمل مسكين: ما اشد فرحي ان تزورني في البيت لتناول وجبة غداء!

اجاب الحمل: بكل سرور كنت البي طلبك لو لا ان بيتك في معدتك.

لتحطيم القلق/ ارضَ بما ليس منه بد وتضرع الى الله ان يمنحك.

الصبر والقدرة على تحمل المصائب.

الشجاعة والقوة.

الحكمة والعقل.

السعادة تأتي من نيتك بالعمل المقصود الذي قمت به ولا تأتي من الشكر الذي تسمعه من المقابل.

فكر بالسعادة واصنعها تجدها بين يديك.

لا تفكر و لاتحاول النيل من اعدائك لانك تضر نفسك اكثر مما تؤذيهم.

اعتمد الصلاة وقت النوم فانها وسيلة لطرد الارق والقلق اضافة لكون الصلاة غذاءً روحياً للنفس.

لا تبذر الدموع على ما لا تستطيع اعادته فليس هناك قوة تعيد الماضي، و لاتنشر النشارة ابدا لان الذي فات مات.

أزمة الاغتراب

ان ازمة الاغتراب ممكن ان تكون سببا او قد تكون نتيجة لصراع الاجيال، لان المجتمع لا يبقى ثابتا على حال واحد بل هو في حالة تحول وتغيير في القيم والمعتقدات والأخلاق بحيث اصبحت هذه القيم اكثر نسبية، كما ان معايير السلوك لم تعد ثابتة، وكون الشباب في مرحلة التكوين والسير نحو التكامل العقلي والجسمي ومندفعين ومتحمسين للتطور والتغير فلا يرون اي حرج في قبول التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وان هذا القبول بالتغير اذا لم يكن عقلانيا مدروسا بصورة دقيقة وملائما لوضع الشاب نفسه فقد يؤدي الى الانفصال عن الواقع، وفي هذه الحالة سينفصل الشاب عن واقعه بحث سيعيش في المجتمع ولكنه منعزل عنه، والاغتراب يكون على انواع: كالاغتراب عن المجتمع والاغتراب عن التراث والاغتراب عن الدين وعن الذات، وأيا كان نوعه فله اضرار على الفرد وعلى المجتمع لان الشخص المغترب يعاني من الحالات الآتية:

الإحساس بالعجز وفقدان القدرة على توجيه ذاته.

الإصابة بالإحباط وفقدان الاهتمام بالأمور الحياتية.

قد يسلك سلوكا يخرجه عن المبادئ الخلقية.

الابتعاد عن الذات وقد يحقد عليها ويقوم بسلوك ضدها.

تتدهور حالته الصحية وتضطرب علاقاته في المجتمع وخاصة المحيط الذي يعيش فيه.

وختاما ان موضوع الاغتراب له اسباب كثيرة منها معاناة الشباب من الازدواجية في حياتهم، لان مجتمعنا يمر بفترة انتقال حضاري بين القيم والعادات والتراث والتقاليد من ناحية والاقتباس من الحضارة الغربية من ناحية اخرى حيث يأتينا هذا الاستيراد محمولا على تكنولوجيا متطورة رهيبة يصعب مجاراتها والمقارنة بين الحضارتين. هذا ونأمل من شبابنا ان لا ينزلقوا في المتاهات، وان يقتبسوا من الحضارة الغربية العلوم التي تفيد مجتمعنا، ومثلما تمكن الغربيون من الاستفادة من مناهل الحضارات القديمة الشرقية، عبر احقاب خلت واستخدموا تلك العلوم في التقدم العلمي والتكنولوجي هكذا يمكن لجيلنا ان يقتبس من الحضارة الغربية ما يفيد مجتمعنا، كما أرجو منهم ان يعيروا الموضوع ما يستحقه من الاهمية حفاظا على اخلاقهم وتراثهم وحياتهم المستقبلية وحفاظا على العائلة وقدسيتها، لان المجتمع الشرقي يتصف بالأخلاق الفاضلة والسلوكية المستقيمة وسيهتز أمام أية ثغرة، وسيكون وقعها سلبياً يؤثر تأثيرا مباشرا في الجيل الصاعد الأمر الذي لا يمكن التحكم بنتائجه مستقبلا". أخيرا أتمنى لأحبائي الشباب التوفيق في حياتهم المستقبلية وما التوفيق إلا من عند الله.

حياتك– من صنع أفكارك وتجاربك

المحبة – نبراس الحياة

التضحية – ديمومة الحياة

عزيزي القارئ الكريم

قبل الولوج في صلب الموضوع ارجو ان تكون واقعيا في نظرتك الى المحيط الذي ترعرعت فيه وان تعيش بحدود يومك وتقنع بما رزقت وتطرد القلق من ذهنك متكلا على الله متفائلا قوي الارادة متجنبا الطرق الملتوية لجمع المال لأنها مصدر المتاعب، وعليك ان تنسى ما جرى لك فيما مضى لأن ليس هناك قوة تعيد الماضي، والذي فات مات.

عزيزي القارئ

لا تحاول نشر النشارة ولا تحاول صنع قوس من خشب يابس و لا منجل من حديد بارد فتذهب اتعابك ادراج الرياح، بل عليك ان تتحلى بالصبر وتكون قوي الارادة شجاعا مقداماً في تحمل المصائب حازما وقورا حكيما في جميع تصرفاتك ولاتنسى بان تحت السماء دواءً لكل داء، كما عليك ان لا تقلق للمستقبل وعندما تعترضك مشكلة ولا تستطيع التخلص منها عليك التهيوء لأسوأ الاحتمالات محاولا إنقاذ ما يمكن؛ إنقاذه لأن القلق والتراجع السلبي أمام المشاكل يؤثر تأثيرا مباشرا في صحتك، وعليك ان تثق بنفسك ثقة مطلقة وتتحدى الزمن وبذلك تبرهن على رجولتك امام نفسك وامام الآخرين، ورغم كل المتاعب العائلية عليك ومن موقعك تخصيص حياتك لخدمة البشرية المعذبة دون ان تفكر باستلام ثمن من احد او شكر على إحسان، لأن السعادة لا تأتي من الشكر من فم المقابل وانما من النية الصافية التي تختلج بقلب الانسان، هذا القلب المليء رحمة وشفقة وحنان.

ان النظرة المتفائلة على الحوادث والمصائب التي تصادف الانسان يكون لها تأثير مباشر على حياته فهي تصقل مواهبه وتغذي الخصال الحميدة في روحه وتفيض نعماً في قلبه، تلك النعم التي اغدقها الباري عز وجل في صلبه ووجدانه.

هناك طرق تجلب السعادة والبشائر المفرحة الى النفس فعلى المرء ان يفعم افكاره بالبهجة والفرح وقمة الفرح هي البذل والعطاء التضحية بالنفس عوض الاحبة، فعلينا ان ننسى انفسنا واتعابنا وان نوفر السعادة للآخرين.

لو القينا نظرة على الحياة اليومية لوجدنا هناك من يلاقي صعوبات ونقد في حياته قد يكون نقدا بناءً موجها او ذا غاية مبطنة فعلى المرء استيعاب هذا النقد بصدر رحب واستلامه بشفافية وهدوء مظهراً قوة الارادة امام الناقد وامام الخصم، لكي ينجح المرء في مسيرته عليه دراسة مجتمعه بدقة متناهية للوقوف على المشاكل الموجودة فيه، والنجاح يكون بعدئذ في وضع الحلول الصحيحة والمناسبة وفي والاخلاص بالعمل والمثابرة وبالحنكة والسياسة والاخلاق الفاضلة، واذا صادفته كبوة لا ييأس بل بالعكس عليه ان يثبت مقدرة في كل محاولة حتى يحقق النجاح، واذا اخفق يكون الاخفاق درساً له وتطلعا الى الامام وليس انتكاسة الى الوراء، ان يضع نصب عينيه بان العمل الدؤوب والمثابرة اساس النجاح.

ان عصرنا هو عصر التكنولوجيا الحديثة والكل يتكالب لجمع المال الذي هو وسيلة يجب ان تاخذ منحىً خاصا في الحياة لكي لا تفقد قيمتها وتصبح مصدرا للقلق وقد يفقد الانسان موقعه الاجتماعي نتيجة انغماسه بطرق غير مشروعة لجمع المال، ولذلك عليه ان يتخذ من افكاره وتجاربه دروسا تنسجم مع واقعة ليعيش حياة هانئة هادئة مستلهماً افراحه من افراد عائلته الذين يزهون امامه كالزنبق في الرياض والذين بذل الغالي والنفيس في تربيتهم ومن المحيط الذي يعيش فيه ايضا، وعليه بسط يده بقدر المستطاع لمساعدة الفقراء واليتامى والمحرومين وذوي العاهات يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم وعليه تكييف نفسه لكل حادثة طارئة سواء كانت ايجابية او سلبية فذلك يكون قد تسلح بسلاح الصبر والايمان وتنعم بالبهجة والسرور لانه قانع بوضعه سعيد بحياته والسعادة بحد ذاتها ينبوع الخير والعطاء ونعمة من الله للنفس الكريمة البريئة من الرذائل والمتجردة من مطامع الحياة، وليتذكر الانسان ان حياته مهما طالت فهي تنحصر بين يومين اولهما يوم يرى النور في هذا العالم وثانيهما يوم السفر الى العالم المجهول، فالمدة التي يقضيها بين ولادته ومماته سواء طالت ام قصرت هي المسيرة في الحياة وقد تصادفة في هذه المسيرة طرق سهلة ومعبدة مفروشة بالورد او طرق وعرة مليئة بالاشواك، فعليه تحمل عواقبها لانه سيعوض في مستنقعات ميهاها آسنة وسيندم على ما اقترفت يداه ولكن لات ساعة مندم.

عش سعيداً في حدود يومك

ردّد في سريرك: هذا هو اليوم الذي صنعه الرب فلنبتهج ونفرح به ونسعد أنفسنا.

عزيزي القارئ الكريم

عش في حدود اليوم ولا تفكر في الغد و كن سعيداً ممتلئاً نعمة وثقة في نفسك، عش يومك فرحاً مسروراً وتمتع به كاملاً في هذه الساعات المعدودة يكمن سرّ وجودك، إنها حياتك الحاضرة وفيها معجزة النمّو والتقدّم في كافة نواحي الحياة سواء كانت علمية أم اجتماعية أم اقتصادية، وضع نصب عينيك الأعمال الصالحة التي تخدم المجتمع وقرّر في نفسك ان تزاولها اليوم على قدر المستطاع وابعد عن مخيلتك الأعمال الشريرة التي تنافي الآداب والتي تؤذي المجتمع وكن رجلا صالحاً إيجابياًَ لتتبوأ مركزاً في محيطك وابتعد عن كلِ عمل سلبي يؤثر عليك مادياً ومعنوياً حينئذ ستشعر بالهدوء والطمأنينة وراحة الضمير وتنال بركة الرب.

عزيزي القارئ الكريم

الامس حلمٌ ولىّ وانقضى والغد أملٌ جميل وخيال، أما اليوم فهو حقيقة واقعة، فإذا عشت بأمان وسعادة يبقى الماضي حلماً وذكرى والمستقبل حلماً و املاً و لا تتحّسر اليوم بحرارة على ما انقضى بالأمس بل عليك ان تأخذ من هذا اليوم كل ما تستطيع لاسعاد نفسك، واطلب من الرب ان يعطيك الصبر والقدرة على تحمّل المصائب والشجاعة لقول الحق والمصارحة به والعقل والحكمة لادارة عملك الوظيفي وشؤون عائلتك، وحدّث نفسك دوما وردّد، سأكون اليوم سعيداً وسأعتني بجسدي، أنظفه واغذيه واصونه من الموبقات وسأبعد الخوف من قلبي وسأعمل ما بوسعي للاقتناع بأن الذين احبّهم يبادلوني الحبّ ايضا وسأقضي وقتاً متأملاً وشاكراً للرب على ما أغدقه علي من خيرات ونعم، واعمل بذهنية تجلب لي السعادة والصحة وسأوصد الباب خلف الماضي الذي ولى فلم تعد هناك فائدة من ذكره او التحسر عليه.

وفي هذا اليوم المبارك سأطلب من الرب ان يعطيني الإيمان فيضاً عامراً يملأ الصدر بالحنان لأنه هو الأمان، وعلي بالصلاة فالصلاة تقربني الى الله وتشرح صدري وتغذي روحي وتبعد عني القلق وتجعلني اشعر بأني لست وحيدا في هذه الحياة وان الله سبحانه وتعالى معي، لان المؤمن الذي يضع ثـقته بالله يتمكن من مجابهة المصائب بحزم وصبر وحكمة، كما ان الصلاة تحفز الانسان على العمل الدؤوب وعلى المثابرة وتعطيه طاقة عملية لا تقدر بثمن فهي الخطوة الاولى نحو النجاح والطاقة الكبرى للنشاط والتي تحفظ الانسان من السير في الطرق الملتوية وتنقي ضميره ليكون عنصراً منتجاً وإيجابياً في المجتمع وفي المحيط الذي يعيش فيه، ولكي نربح ارواحنا ونسمو بها الى الأعالي علينا رفع أعيننا الى السماء وذكر اسم الله في كل لحظة من حياتنا كما علينا فتح قلوبنا للرب ليدخل الى اعماقها وليساعدنا في حل جميع مشاكلنا ونطلب منه العفو والغفران لأخطائنا انه الغفور الرحيم والسميع العليم.

المحتويات

المقدمة...................................................6
أمثـال وحكم..............................................9
في ليلة العيد.............................................10
مفاجأة الحب.............................................14
ماذا ينفع العتاب...........................................16
بين حبيب وحبيبة........................................18
خاطرة....................................................20
احببت الحياة بأفراحها واتراحها..........................23
الشجرة التي زرعت من جديد............................27
مفارقة...................................................31
تعلو الصروح ببركة من الله .................................34
جمال – وأغنية...........................................37
مراسيم زواج الزوجة الثانية.............................40
فن في صياغة الجمل وذكاء وبراعة الحيل...............44
حول المرقد..............................................47
الكلام....................................................49
الغني غني النفس وليس غني المال......................52
العناية الالهية...........................................57
فصل الخير والعطاء.....................................59
العالم المتمدن واطفال القارة السوداء....................61
(الراهب والوحوش).....................................64
لماذا هذه القسوة على الطبيعة............................67
من مجالس القضاء......................................70
المراهقة والشباب.......................................73
الحب اقوى من الموت...................................78
بعض الخصائص النفسية للشباب عرض وتحليل..........87
حكم من أعماق بلاد السند................................93
أزمة الاغتراب...........................................105
حياتك– من صنع أفكارك وتجاربك........................108
عش سعيداً في حدود يومك..............................112

Compiled and presented by

Randy Riadth Augustin Al-Benoka

A Beno Collection — Randy Riadth Augustin Al-Benoka